والشراكة الوطنية في إدارة البلاد من العدول ذوي الكفاءة والقوة من الحكمة؛ كونها توزع المسئولية والمساءلة والتكليف بالحفظ والحماية والبناء العام لكل ما يحقق المصالح العامة ويدفع الفساد والمفاسد، وتوزيع المسئولية في هذه المعاني حماية وحفظا هو تعاون على البر والتقوى، وهو مطلوب شرعي.
وكذا توسع قاعدة صناعة القرار بالمشاركة الفعلية في إدارة الحكم، أو المشاركة الحقيقية في اختيار من يدير الحكم اختيارا حرا وشفافا ونزيها بعيدا عن الالتفاف والتحايل والمكر والخداع السياسي، وعن التحالفات المصلحية التي لا تنظر إلى المصالح العامة للأمة، مقدمة مصالحها الذاتية الخادمة للبقاء المعمر في مراكز القرار لأشخاص أو عائلة أو فئة أو منطقة أو قبيلة أو نسب.
فإن الشراكة الواسعة أو الكاملة من مقاصدها منع تقديم المصالح الخاصة على المصالح الوطنية العليا والعامة للبلاد والعباد، وهذه مصلحة عامة عظيمة معتبرة فطلبت.
ولأنها تحقق التعاون الشعبي العام بين الدولة، وفئات الشعب ومكوناته ومؤسساته الحقوقية والنقابية والتنموية والخيرية؛ لوجود الباعث الذاتي الحامل على التعاون بالفطرة والديانة نظرا لما يراه الشعب ويلمسه من تحقق مصالحه على أرض الواقع.
وقولنا «بالفطرة والديانة» لأن الإنسان بفطرته تعاوني، والدين جار على وفق الفطرة الإنسانية، يقول تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ)
[ ١ / ٢٣٥ ]
(المائدة: ٢)، ويقول سبحانه (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم: ٣٠).
ولما كانت الشريعة طالبة لتحقيق المصالح الكبرى العامة ودفع المفاسد، فالشراكة الحقيقية الراشدة وسيلة لتحقيق ذلك على وجه الإحسان التام؛ لأن عمل الجماعة أتم وأكمل، ويد الله مع الجماعة.
ولأنها وجه من أوجه الشورى المشروعة (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: ٣٨)، ويغلب على الشورى الحقيقية الوصول بالأمور إلى غاية الإحسان المقصود والمطلوب شرعا (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
والشراكة دافعة لكثير من المفاسد الكبرى؛ لأنها تؤدي إلى التقليل من فرص الفتنة والانشقاقات الداخلية والقلاقل.
وتحبط استثمار العدو للوضع، وتقلل من السمسرة السياسية والنخاسة لبيع مصالح البلاد خدمة لجهة في الداخل والخارج.
وتحقق العدل المتوازن في توزيع الوظيفة العامة، والثروات، والتوازن المتكافئ للفرص بين أبناء الشعب حتى لا تتاح الفرص للبعض وتمنع عن البعض، فيتفرد بالفرص في التعليم والتأهيل وفي الاستثمار والقيادة نافذون يستلمون زمام القيادة والوظيفة والمال والتأهيل، والناس لهم تبع وأتباع.
لذلك كله فلا بد من الشراكة الوطنية العادلة الحقيقية في الحكم: إدارة، وصناعة، وتقويما.