هناك قاعدة يمكن وضعها بالتتبع وهي: الظلم إذا صار ظاهرة عامة كان فسادا في الأرض.
فالظلم إذا كثر صار مظالم، وإذا استمرت الكثرة أصبحت عادة، ثم تحولت إلى ظاهرة ملموسة مشاهدة، وصارت حينئذ فسادا في الأرض، وقد قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١)، فاستعمل الظهور للفساد، وقد قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائدة: ٣٢)، فغاير بين القتل بلا حق الذي قد يحصل، وبين القتل للفساد في الأرض؛ لأن القتل العدوان يغلب عليه -عادة- تقدم عداوة، وعلته الباعثة هي الانتقام، ولذلك لا يتجاوز غير من أراد أن ينتقم منه، بخلاف من قتل عمدا وعدوانا بلا سبب، ولا عداوة سابقة؛ فعلته الفسادُ في الأرض ويغلب عليه استهداف الكافة برها وفاجرها.
فيعم الخوف والهلع، ويؤثر ذلك على تقلب الناس في الأرض لحاجاتهم، وتجاراتهم.
وحد الحرابة، ومنه قطع الطريق أشد الحدود؛ لأنه من الفساد في الأرض.
والحاصل أن الظلم يطلق في الأصل على جريمة معينة واقعة على معين لا تتعداه، فإذا وقع على غير معين بل على العموم والشيوع عمدا وعدوانا كان فسادا في الأرض.
وقد تنوعت عقوبة الفساد في الأرض وقرنت بمحاربة الله ورسوله (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
[ ١ / ٢٠٦ ]
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وتنوع هذه العقوبات سببه تنوع الفساد في الأرض ومحاربة الله ورسوله فيعطي القضاء حكما مناسبا للواقعة بحسبها، وأعلاها الإعدام أو الجمع بين الإعدام والصلب، ثم تليها عقوبة قطع الأيدي والأرجل من خلاف، وأدناها النفي من الأرض، وهو أن يجعل في المنفى، سواء كان بالترحيل من تلك البلاد أبدا أو لمدة معينة بحسب الواقعة، أو يسجن في منفى عن بلاد الجريمة ولو داخل الدولة.
وأخْذُ الفقهاء من الآية حدَّ الحرابة وقطعَ الطريق ليس حصرا وقصرا لجرائم الفساد في الأرض، فقد ظهر في عصرنا جرائم عظيمة أكبر أو لا تَقِلُّ عن الحرابة.
فمما يشمله النص من أنواع الوقائع التي تصنف من جرائم محاربة الله ورسوله والفساد في الأرض، وينزل عليها العقوبات المناسبة في الآية واحدة أو فوق ذلك.
فالسلطة إذا مارست الفساد في الأرض حاق بها ما يحيق بالفرد، أو الأفراد المفسدين في الأرض في العقوبة المنصوصة في الآية (أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ) (المائدة: ٣٣). وولاية المفسد في الأرض باطلة؛ لأنه استحق إحدى هذه العقوبات، وأدناها هي النفي التي تحول دون العمل في الحكم فكيف بأعلاها إذ لا يمكن الجمع بين البقاء في السلطة وتنفيذ عقوبة الفساد في الأرض عليه؟
ومن الجرائم التي يمكن تصنيفها شرعا من جرائم الفساد في الأرض:
- الإبادة الجماعية.
- القصف العشوائي أو الممنهج على الأحياء السكنية.
- دعم طائفتين من الشعب لقتال إحداها الأخرى.
- قتل المتظاهرين السلميين.
- استعمال الجيش والأمن لقمع الشعب المدني السلمي.
- التعذيب في سجون الدولة والمعتقلات.
[ ١ / ٢٠٧ ]
- تشجيع وتغذية الصراع بين الطوائف الدينية والمناطقية.
- تجهيل الشعب عمدا.
- إيجاد الطبقية القانونية.
- الفساد المالي والإداري، وعدم تقديم رموزه إلى القضاء.
- تقوية بعض الشعب وإضعاف بعض.
- العبث والنهب والاختلاس للثروة والمال العام بما يوصل الشعب إلى خط الامتهان، والإذلال والإفقار داخليا وخارجيا.
- العقوبات الجماعية المقصودة على الشعب كقطع الغذاء، والقمح، والماء، والمواد الحاجية كالمشتقات النفطية، والكهرباء، والمياه، وحليب الأطفال، والأدوية.
- إهلاك الحرث والنسل.
- منع إسعاف المصابين.
- قصف المستشفيات.
- جرائم الاختطاف.
- تدمير المصالح الكبرى.
- التسهيل لعصابة الحرابة، من قطع الطرق وتفجير المصالح العامة وتخريب البلاد.
- دعم أو تسليح أو تمويل الفتنة والاقتتال وأطرافها.
- استعمال السلاح النووي، أو الكيماوي، أو أسلحة الدمار الشامل.