وهي سياسات مطلوبة شرعا على الدولة، ومقصود تدل عليه أصول وقواعد ونصوص الشرع (٦).
_________________
(١) - أخرجه البخاري برقم ٤٦٦ وفي مسلم برقم ٦٣٢٠ من حديث أبي سعيد قال: خطب النبي ﷺ فقال إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر ﵁ فقلت في نفسي ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا قال يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر.
(٢) - أخرجه البخاري برقم ٣١٤٢ ومسلم برقم ٤٦٦٧ من حديث أبي قتادة بلفظ «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه».
(٣) - أخرجه أحمد برقم ١٢٩٢٥ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسلة فليغرسها». قلت: رجاله رجال الشيخين إلا حماد بن سلمة فهو من رجال مسلم وأخرج له البخاري متابعة.
(٤) - قولنا «ونهى عن المثلة» الحديث أخرجه أبو داود برقم ٢٦٦٩ من حديث سمرة بن جندب قال كان نبي الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة فأتيت عمران بن حصين فسألته فقال كان رسول الله ﷺ يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. قلت: وسنده حسن. وأخرج الترمذي برقم ١٠٤٨ له شاهدا من حديث بريدة بن الحصين وقال حسن صحيح. وأخرجه النسائي برقم ٤٠٤٧ من حديث أنس بسند صحيح على شرط الشيخين بلفظ «كان رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة وينهي عن المثلة». وأخرجه أحمد بهذا اللفظ من حديث عمران بن حصين برقم ١٩٨٧١ وسنده على شرط مسلم.
(٥) - راجع فقه البيئة من كتابنا هذا.
(٦) - فأمة الإسلام (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: ١١٠). وهي القائمة على الوسطية والاعتدال، وشهادتها نافذة على الكافة من الأمم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣)، ودينها هو الظاهر (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف: ٩). =
[ ١ / ٢٤٢ ]
والخروج بالأمة من حالة الضعف الشامل إلى القوة الشاملة فرض (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠).
والضعف شامل لأنواع الضعف التعليمي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والفكري، والأمني.
والنقلة من هذا الوضع إلى غاية القوة المستطاعة تكليف واجب يشمل الاقتصاد، والتعليم، والأمن، والتكنولوجيا، والمجتمع.
وكل معنى قوة في كافة المجالات الخادمة للمصالح العامة الدافعة للمفاسد والضرر قوة مطلوبٌ تحصيلها.
ويلزم ما لا يتم إلا به من الوسائل، فهو تكليف بنهضة شاملة يتناسب مع وضع الأمة ومكانتها ويفوق أو يساوي المثل العالمي.
ولا بد شرعا على الدولة أن تحمل هذا المشروع النهضوي الشامل، وإلا قادت الأمة إلى الضعف وخالفت مطلوب الشرع ومقصوده من التمكين للأمة (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
ولا بد لهذا أن تتخذ وسائل وسياسات لازمة للنهضة الشاملة يمكن حصرها في تسع:
١) التعليم الاستراتيجي: منهجا ومدرسا وإدارة ووسائل وبحثا واختراعا وتنفيذا.
٢) الأمن والاستقرار بكل معانيه ووسائله وإجراءاته.
٣) الأمن المالي والغذائي والاقتصادي الشامل.
_________________
(١) = والخاتم والحق المعتمد عند الله (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (آل عمران: ١٩)، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥)، وشريعة هذه الأمة مهيمنة على ما سواها (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: ٤٨)، وهي تحمل مشروعا رساليا إلى العالم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧). والعمل الإصلاحي في الأرض عليهم فرض ومراقب ومسئول (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: ١٠٥). إلى غير هذه النصوص التي تدل على أن مكانة هذه الأمة مكانة قيادية، ولا بد عليها -حينئذ- من اتخاذ الوسائل الموصلة إلى تحقيق هذا المقصود التمكيني القيادي في الأرض، وهذه السياسات التسع على رأسها، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
[ ١ / ٢٤٣ ]
٤) صرامة القضاء العادل المستقل، والبت العاجل في القضايا، خاصة ما تعلق بالاستثمار والفاسدين من النافذين، لحماية مشروع النهضة الشاملة.
٥) التخطيط الشامل للنهضة ومراحلها تنفيذا ومتابعة وتقييما وتطويرا.
٦) سياسة التطهير الشامل للدولة من كافة أنواع الفساد والمفسدين مهما كان مركزه وقوته ونفوذه.
٧) إقامة البنية التحتية الشاملة الحديثة من طرقات واتصالات ونقل وكهرباء وصحة عامة ومياه، وهذه وسيلة للنهضة وتتعذر من دونها، فطلبت شرعا طلبا وسيليا.
٨) التسهيل للاستثمار في البلاد واستيراد الخبرات والتقنيات العالية وتعلمها وصولا إلى إنتاجها وطنيا.
٩) حكومة كفاءة تحمل مشروع النهضة تخطيطا، وتنفيذا، ومتابعة، وتقييما، وتطويرا بمرحلية مستمرة مدروسة ومزمنة، مترفعة عن المصالح والمشاريع الضيقة التي تعود بالإبطال على مقصود الشرع في بناء المصالح العامة.
فهذه الوسائل هي الوسائل الكبرى اللازمة لتحقيق النهضة الشاملة، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.