ولما كان لا دولة إلا باقتصاد فواجب إقامة الاقتصاد الآمن وصولا إلى درجة النهضة الاقتصادية إنتاجا، وتصنيعا، وتسويقا، واستثمارا، وتطويرا، وبحثا، واختراعا، وحفظا، وتأمينا شاملا للغذاء والسوق والعملة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وهذا الوجوب؛ لأن هذه المفردات هي وسائل الاقتصاد المكون للدولة، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
ووضع خطة لذلك مزمنة بمرحلية مدروسة، أمر يقره الشرع؛ لأنه من الإحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
ويكون ذلك وفق تخطيط شامل دقيق لذلك.
وما لا يتم المطلوب الشرعي إلا به فهو مطلوب شرعا، فالتخطيط الشامل يرفع العبث ويهدي إلى السبيل، وقد ذم الله الماشي مكبا على وجهه بعشوائية ضاربا مثلا بذلك (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الملك: ٢٢).
ولأن التخطيط والتزمين المرحلي مؤد إلى إحسان العمل وإنجازه، والله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه، كما في النص (١).
وواجب المتابعة والتقييم والمحاسبة؛ لأن ذلك من حياطة مصالح المسلمين والنصيحة لهم.
ولا مانع من دعوة المستثمرين والخبراء من الداخل والخارج لوضع ما يناسب من الوسائل لتحقيق ذلك.
ويستفاد من الخبرات والمعارف الإنسانية ولو من غير مسلم؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها، ولأخذ رسول الله بالخاتم والخندق وهي خبرات أجنبية.
وكل هذا من المصالح العامة، والشريعة طالبة لما يحقق المصالح الكبرى ويدفع المفاسد.
ولا بد من تحقيق الأمن والاستقرار حتى يأمن الناس على أموالهم، وسيادة واستقلال القضاء، والمعاقبة الصارمة لمتلاعب أو مفسد منفر للاستثمار؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدافع للضرر الفاحش عن الأمة.
ويجب حفظ العملة واستقرارها؛ لأنها تحفظ الأموال وقيمها.
ويحرم الإضرار بالأموال، وتهريب العملات الصعبة أو ضخها أو سحبها من السوق أو التلاعب بها؛ لأدائه إلى الإضرار العام، وهو واجب دفعه، ولأنه من إيذاء المسلمين، وهو محرم (وَالَّذِينَ
_________________
(١) - حديث «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا ..» أخرجه أبو يعلى في مسنده من حديث عائشة برقم ٤٣٨٦ وفيه مصعب بن ثابت لا بأس به حسن في المتابعات.
[ ١ / ٢٤٧ ]
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨).
ويمنع التهريب للمنتجات، أو المستوردات؛ لأنه يضر ضررا فاحشا بالسوق، وقد نهى الشرع عن تلقي الجلب (١)؛ لأنه خروج عن مصلحة السوق وإفساد له، والتهريب أضر منه.
ويشرع التعاون مع الدولة في الاستنفار الاقتصادي؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى.
ومساهمة المجتمع لتوفير الطرقات والصحة والكهرباء والماء عند حاجة الدولة من التعاون على الخير والبر والتقوى.
ولا بد من مباشرة التنفيذ الفعلي للخطط، ومتابعة ذلك حفظا وصيانة، وقد أنكر الله على القوالين بدون فعل فقال (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٣)، ولا بد لتنفيذ الخطة من إعداد الكفاءات والخبرات وتعيين القوي الأمين.
الاستغلال التام للموارد:
ومن المصالح العامة المعتبرة شرعا الاستفادة من الموارد العامة واستثمارها؛ لأنه من حفظ وصيانة المال العام لخدمة المصالح العامة، وهو أمر خادم للوسائل المقصودة شرعا، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
المسح الشامل للاستكشاف النفطي والثروات الكامنة:
والمسح الشامل للاستكشافات النفطية والغازية والذهب والمعادن من وسائل القوة المطلوبة في عموم (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال: ٦٠)؛ لأنه يقوي الدولة والشعب، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ويجب فعل ذلك على الدولة إيفاء بعقد الولاية، والإيفاء بالعقود واجب (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، وخلافه تضييع للأمانات وهو ممنوع، ولأن ذلك جالب للمصالح العامة فطُلِب.
الاستصلاح الزراعي:
ومن المصالح المعتبرة تحديد الأراضي الصالحة للزراعة، ومباشرة العمل في استصلاحها
_________________
(١) - قولنا «وقد نهى الشرع عن تلقي الجلب» أخرج البخاري برقم ٢١٦٢ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن التلقي. ومن حديث ابن مسعود برقم ٢١٦٤ نهى ﷺ عن تلقي البيوع. ومن حديث ابن عمر برقم ٢١٦٥. وأما بلفظ «لا تلقوا الجلب» فهو في مسلم من حديث أبي هريرة برقم ٣٨٩٨.
[ ١ / ٢٤٨ ]
لإيجاد إنتاج زراعي واكتفاء ذاتي، وتصدير، وتخزين، وتعليب المنتجات؛ فقد أمر الشرع باستصلاح الأراضي الزراعية «ليزرعها أو ليزرعها أخاه»، «ومن أحيا أرضا ميتة فهي له» (١)، وكان ﷺ يدخر لنسائه قوت سنة، مما يدل على الاهتمام بالاقتصاد وحفظ الأقوات، وقد قال الله امتنانا بنعمة التصدير والاستيراد في رحلتي الشتاء والصيف (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ٢ - ٤)، وقد ساقه الله مساق المدح والثناء والنعمة، تنبيها عليه وعلى أهميته، فهذه الحركة التجارية استيرادا وتصديرا وتبادلا للخبرات والمنافع مما اعتبر نعمة من المنن المحمودة، وهذا يدل على أهمية مصالحها، ولذلك ساقه سبحانه مساق الامتنان والإقرار التشريعي.
التنمية الحيوانية الشاملة:
ومن الإصلاح في الأرض رعاية الحرث والنسل، وتنمية الثروة الحيوانية من ذلك (٢)، ويحرم إهمالها أو إفسادها (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
الاستثمار البحري:
ولا بد من الاهتمام بالثروة البحرية وتنفيذ خطة للاستثمار البحري صيدا، وتوزيعا، وتصنيعا، وتصديرا، والاستثمار الملاحي البحري، والمعابر، والمضايق والجزر، وإصدار ما ينظم إنشاء الشركات والمؤسسات البحرية، وترتيب حركة وأوقات الصيد وقوانين الملاحة، وهذا من المقصود المصلحي في عموم علة الابتغاء من فضله في النص (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: ١٤).
فسائر المصالح البحرية والاستثمارات داخلة في هذه العلة (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) (فاطر: ١٢)، فعلم أنها مقصودة ووسائلها كذلك.
_________________
(١) - سيأتي تخريجهما في موضعهما المناسب.
(٢) - وهو من إصلاح المال العام، ومن استغلال النعم التي ذكرها الله لعباده في كتابه (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) (النحل: ٥). فهذه الآيات تبين أهمية الثروة الحيوانية ويزيد ذلك تكرار ذكر الثروة الحيوانية في مواضع من القرآن في سياق الامتنان للانتفاع بها، واستغلالها وشكرا لله على ذلك.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ومنه بناء وتأهيل الموانئ الاستراتيجية الحديثة القادرة على استيعابٍ مواكبٍ للنهضة العالمية بكفاءة آمنة جاذبة للملاحة العالمية، ومرافئ تستوعب الناقلات بأحجامها وحركتها، وتؤمن التخزين والشحن بأعلى مقاييس الجودة العالمية، وتوفر السلامة والراحة للعمل والعامل والمركب وطواقمهما، بما يوفر الإيرادات ويقوي الدخل القومي للدولة، ويجب أن يكون بمثل السعر العالمي، أو خير منه لا أقل منه بغبن فاحش؛ لأنه ضرر وهو محرم في أموال المسلمين، وهذا منها.