ولا يجوز للولاة التعريف بشعبهم أو جزء منه بما يسيء إليهم داخليا، أو خارجيا، وينعكس ذلك على معاملة الدول والشعوب الأخرى لهم.
وهذا التسويق السيئ للشعب هو من الانتهاك لحفظ الأعراض المقصود حفظها في الشرع كأحد المقاصد الستة الكبرى.
فإذا حرم على شخص أن يقول عن شخص آخر ذلك؛ فقول ذلك عن الجماعة أشد حرمة؛ لأن الحفاظ على الكرامة وعدم الامتهان والإذلال، وصيانة سمعة الفرد والجماعة من الواجبات الشرعية؛ لأدائها إلى صيانة الأعراض وحفظ المكارم والتكريم للإنسان فردا ومجتمعا.
وقد حرم شرعا الهجاء بالشعر لقبيلة برمتها، وهو من المحرمات الكبيرة؛ لتأثيره عليهم وعلى التعامل معهم، ولأن نسبة خلق أو قول أو فعل إلى فرد هجاءً محرم في الأصل؛ لأن أعراض الخلق محفوظة «إن أعراضكم عليكم حرام» وهو في الصحيحين وقد تقدم.
فيحرم على الحاكم أن يعرض بشعبه داخليا، أو خارجيا، رسميا أو غير رسمي بما يسيء له كهمجي، أو متخلف، أو غير كفء، أو إرهابي، أو قطاع طرق، أو رجعيين، أو كهنوت، أو أنه لا يفيد معهم إلا القوة والاستبداد، ونحو ذلك من الألفاظ السيئة.
_________________
(١) - قولنا «في نصوص كثيرة» منها ما أخرجه مسلم برقم ٤٨٩٢ من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه». وأما حديث «جثى جهنم» فهو حديث طويل من حديث الحارث الأشعري أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده برقم ١٥٧١، وفيه (وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله: فمن فارق الجماعة قيد شبر خلع الإسلام من رأسه إلا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم قيل: وإن صام وصلى؟ قال: وإن صلى وصام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله) وسند أبي يعلى صحيح، وصححه ابن خزيمة، وحسنه البغوي في شرح السنة (١٠/ ٥١).
[ ١ / ٢١٣ ]
وفرض كفائي على الشعب إن سمع من حاكمه أو أحد ولاته ذلك مقاضاته؛ لأنه دفع لمنكر عام، وحفظ لأعراض الخلق، وتأديب للحاكم من التمادي في ذلك؛ لأن تركه يوصله إلى درجة هابطة من الاستخفاف بشعبه (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: ٥٤).
ولو أن خليفة راشدا من الخلفاء الأربعة سب شعبه بذلك وذمه بمثل هذه الألفاظ لمنعه الصحابة من ذلك لحرمة السب الفردي؛ والجماعي أشد.
وقد جاء عن عمر «إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أبشارهم، ولا على أعراضهم، ولا على أموالهم» (١).
وفي النص (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) (الحجرات: ١١).
وقال تعالى (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ) (الحجرات: ١١).
وقال سبحانه (وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) (الحجرات: ١١).
فحرم اللمز والسخرية والتنابز بأنواعه.
وإذا سكت الشعب على سفه وشتم حكامه له استذلهم، واستخف بهم شأنه شأن تعامل الأفراد في ذلك عادة، وهو من البغي والعدوان، وهو محرم، وفرضٌ دفعه (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩).
فواجب على الشعب الانتصار من هذا البغي (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤).
وهذه عمومات نصوص أصول.
وشرار الولاة من يلعن الشعب ويشتمه؛ للنص في الحديث «شرار أئمتكم الذين تلعنونهم
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم ٧٠٠٩ عن عمر ﵁ كان إذا بعث عمالا اشترط عليهم: «ألا تركبوا برذونا، ولا تأكلوا نقيا، ولا تلبسوا رقيقا، ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس، فإن فعلتم شيئا من ذلك فقد حلت بكم العقوبة، ثم يشيعهم»، فإذا أراد أن يرجع قال «إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أبشارهم، ولا على أعراضهم، ولا على أموالهم، ولكني بعثتكم لتقيموا فيهم الصلاة، وتقسموا فيهم فيئهم، وتحكموا بينهم بالعدل، فإن أشكل عليكم شيء فارفعوه إلي، ألا ولا تضربوا العرب فتذلوها، ولا تحمدوها فتفتنوها». وسنده صحيح.
[ ١ / ٢١٤ ]
ويلعنونكم وخيرهم الذين تصلون عليهم ويصلون عليكم» (١).
فجعلهم النص أشد شرار الولاة، وعدم وصف الشعب بالشرية مع ذكره أنهم يلعنون ولاتهم دليل على جواز لعن الوالي المعين إن لعن الشعب.
وليس المسلم بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء كما في النصوص.
وهذا استثناء يدل له (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠).
وإذا اعتاد مجتمع على سماع ذلك من حكامه، ظهر بينهم ذلك، فساءت الأخلاق، وانطلقت الألسن بالسوء، وخربت الذمم؛ وصلاح العمل بصلاح القول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
وإذا ساءت سمعة الشعب بين الدول الأخرى بسبب هذا التسويق التعريفي الآثم بالشعب من حاكمه، حذرت الدول رعاياها من ذلك الشعب، فيساء معاملة الفرد من هذا الشعب خارجيا، ولا يكرم كغيره، ويقل التعاون الدولي معه اقتصاديا وعلميا.
وتقل الاستثمارات الخارجية في البلد، ويقل إيفاد الخبرات إليه في التعليم والطب والتكنولوجيا، أو السماح ببعثات من ذلك الشعب إلى الخارج إلا بمحدودية جدا؛ فيظهر في الشعب ألوان الجهل والتخلف والفقر والبطالة والكساد.
بل قد يؤدي إلى عدم منح تأشيرة إذن بالسفر لأفراد هذا الشعب إلى كثير من بلدان العالم كما هو حاصل في بعض الدول العربية اليوم، فيحاصر الشعب داخليا بظلم الحاكم، وخارجيا بعدم سماح الدول لهم من دخول أراضيها.