-
فَأَما المذموم من الْحَرَكَة بعد اعْتِقَاد مَا وَصفنَا من الْعُقُود الَّتِي توجب لأَهْلهَا إِذا ثبتَتْ الْعُقُود بهَا اسْم التَّوَكُّل ويدخلون بهَا فِي جملَة فَرْضه فَهُوَ التَّعَدِّي لما أَمر الله والتجاوز لحدوده فِي الحركات وَالْأَخْذ والإعطاء
وَذَلِكَ أَن الله سُبْحَانَهُ لما فرض التَّوَكُّل على خلقه وأباح لَهُم الْحَرَكَة فِي ذَلِك وَلما غيب عَنْهُم التفرس من محبَّة تَعْجِيله حد لِلْخلقِ حدودا فِي الْحَرَكَة وَفرض عَلَيْهِم فروضا أحكمها وَبَينهَا فِي كِتَابه وعَلى لِسَان نبيه ﵇ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ وتدلوا بهَا إِلَى الْحُكَّام لتأكلوا فريقا من أَمْوَال النَّاس بالإثم﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾
[ ٢٩ ]
وَقَالَ ﷺ (إِن الله حرم عَلَيْكُم دماءكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ)
فَبين الله تَعَالَى الْفَرْض فِي ذَلِك على الْخلق فِي كِتَابه وَفِي سنة نبيه ﵇ وَفِيمَا اجْتمع عَلَيْهِ أهل الْعلم وَهُوَ أَن يوافقوه فِي الْحَرَكَة فَإِن خالفوا ذَلِك ثبتَتْ عَلَيْهِم بخلافة الْحجَّة
فَمن كَانَت حركاته فِي طلب الرزق على مَا وَصفنَا من إِقَامَة الْحق الْوُقُوف على تجَاوز الْحُدُود وَتَصْحِيح الْوَرع فِي المتجر وَفِي الصناعات وَفِي كل المضطرب فِيهِ كَانَ لله جلّ وَعز بذلك مُطيعًا مَحْمُودًا عِنْد أهل الْعلم
وَمن خَالف شَيْئا مِمَّا وَصفنَا فتعدى فِي الْحَرَكَة وتخلف عَمَّا يجب عَلَيْهِ من الصدْق كَانَ بذلك مذموما قد نقص بذلك توكله وَلم يؤد فَرْضه وَلم يَقع عَلَيْهِ الِاسْم الَّذِي يَقع بِإِقَامَة الْحق على غَيره
وَذَلِكَ أَن المذموم بتعدي الْحَد خَالف مَا أَمر بِهِ من إِقَامَة الْحق وَمَعَهُ الِاعْتِرَاف بخطأ فعله والتوبيخ لنَفسِهِ عِنْد الرُّجُوع إِلَى الفكرة فِي أمره مقرّ بِأَن ذَلِك الْفِعْل مَعْصِيّة لرَبه والعقود قَائِمَة بِمَا وَصفنَا بِمَا أثبت لَهُ الِاسْم وَلنْ يَزُول عَنهُ مَا أوجب لَهُ عقد الْقُلُوب وَالِاعْتِرَاف بالألسنة إِلَّا بالإنكار لذَلِك وَالْخُرُوج مِنْهُ بالجحد لَهُ وَالشَّكّ فِيهِ وَقد بَينا هَذَا فِي أول الْكتاب
فَهَذِهِ صِفَات المذموم فِي حركته
وَأما الْمَحْمُود من الْحَرَكَة فأولها مَا وَصفنَا من إِقَامَة الطَّاعَة لله
[ ٣٠ ]
سُبْحَانَهُ فِي الْحَرَكَة وتحري الْمُوَافقَة لله سُبْحَانَهُ بِمَا فِيهَا وَالْوُقُوف عِنْد تجَاوز الْحُدُود حَتَّى يكون مَوْصُوفا فِي ذَلِك بإحكام الْوَرع وَشدَّة الحذر وَإِقَامَة التَّقْوَى فَإِذا قَامَ بذلك على شَرَائِطه كَانَت هَذِه أول الحركات المحمودة الَّتِي أَبَاحَهَا الله ﷿ لَهُ
وَمن الحركات المحمودة مِمَّا هِيَ أرفع فِي الدرجَة وَأَعْلَى فِي الرُّتْبَة مَا وصف الله سُبْحَانَهُ بِهِ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ووصفهم من المقامات فِيهِ وَجلة التَّابِعين من بعدهمْ وخواص الْمُؤمنِينَ فِي سَائِر الْأَزْمِنَة والدهور الَّذين بانوا بِفضل الْخُصُوص فِي التَّوَكُّل وَفِي سَائِر الْمنَازل على عوام الْخلق فَكَانَ فَضلهمْ بذلك على غَيرهم مَعْرُوفا ومقامهم عِنْد الله رفيعا وَهُوَ حَقِيقَة التَّوَكُّل ومحكمه والتعالي فِي ذرْوَة مَا أقيم فِيهِ الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ وخواص الْمُؤمنِينَ
وَبعد إحكامهم لفرض التَّوَكُّل فِي أَصله بانوا بِفضل الْمعرفَة على غَيرهم وَالزِّيَادَة فِي الْعَمَل بهَا لله جلّ ثَنَاؤُهُ من طَهَارَة الْقُلُوب وإدامة الذّكر وَكَثْرَة التَّقَرُّب إِلَى الله سُبْحَانَهُ بالنوافل وبذل الطَّاقَة والجهد نصيحة لأَنْفُسِهِمْ وطلبا للحظوة عِنْد سيدهم
فَكَانَت هَذِه الْأَخْلَاق الْغَالِبَة عَلَيْهِم مَانِعَة من الْحَرَكَة الَّتِي أبيحت لَهُم وَقد حظرت عَنْهُم لقلَّة مَا فِيهَا من الذّكر للسَّيِّد الْكَرِيم وإيثارا مِنْهُم لما يقرب إِلَيْهِ من ذَلِك لما بَان لَهُم من فضل الْعَمَل لله جلّ وَعز بِطَاعَتِهِ وإيثارا مِنْهُم لما ندب إِلَيْهِ من ترك الشَّهَوَات والتجافي عَن دَار الْآفَات
فَكَانُوا بذلك عَن حركات الطَّبْع متجافين متشاغلين وَبِكُل دَاع يَدعُوهُم إِلَى غَيره مستثقلين وَعَن كل فَتْرَة تميل بهم إِلَى الرَّاحَة نافرين
[ ٣١ ]
وَإِلَى كل حاد يحدوهم إِلَى الزِّيَادَة ساكنين وعَلى الْعَمَل المقرب لَهُم إِلَى الله عاكفين
قد جمعت لَهُم الطَّاعَة مرادتهم فِيهَا على قدر الإقبال عَلَيْهَا وأوضحت لَهُم سبل الرشاد فِيهَا فَلم يُرِيدُوا بِمَا أدْركْت أَيدي الظفر مِنْهُم بَدَلا وَلم يبغوا عَن شَيْء من ذَلِك حولا
وَأَصْبحُوا فِي ذَلِك تَوْفِيقًا من سيدهم ومعونة قَائِمَة بالكفاية لَهُم وخفي لطف غير مقطع عَنْهُم فدام لَهُم الْحَال وزكت الْأَعْمَال ووجدوا الظفر بالآمال وَلم يَجدوا عِنْد ذَلِك هوى غَالِبا وَلَا عدوا مطالبا وَلَا أملا فِي النُّفُوس كَاذِبًا
أمات الْعلم بِاللَّه لَهُم أهواءهم وَغلب لَهُم أعداءهم وَجمع لَهُم شملهم وأحكمهم لَهُم أَمرهم وَكَانَ التَّوْفِيق لَهُم صباحا وخفي اللطف من الله دَائِما والتأييد لَهُم من سيدهم مرشدا
فَكَانَت هَذِه صفاتهم وَهِي فِي التعالي فِي ذَلِك على قدر أقدارهم وَمَا أداهم فضل الْعلم بِاللَّه تَعَالَى إِلَى سَبِيل الْعَمَل لَهُ بالاشتغال بدوام الْأَعْمَال على قدر الرّفْعَة فِي الْحَال
وَكَانَت هَذِه الحركات هِيَ الْغَالِبَة عَلَيْهِم دون غَيرهَا من الْحَرَكَة وَكَانَ الْغَالِب على قُلُوبهم محبتهم للموافقة وتحريهم للموصل إِلَى الله سُبْحَانَهُ من الْأَعْمَال دون ذكر مَا كفاهم وَضمن لَهُم من الأرزاق وَغَيرهَا
فَلم يَكُونُوا للأوقات مضيعين وَلَا باستجلاب مَا كفوا متشاغلين وَلَا لما أحب الْخلق من الاستثكار محبين
إِلَّا أَن يكون لسيدهم فِي ذَلِك أَمر جعل لَهُم الْفضل فِيهِ وندبهم إِلَى الْقيام بِهِ مثل قَول النَّبِي ﷺ (كفى بِالْمَرْءِ شرا أَن يضيع من
[ ٣٢ ]
يعول) وَقَوله ﵇ (كلكُمْ رَاع وكلكم مسؤول عَن رَعيته)
فالرجل رَاع لما استرعى يجب عَلَيْهِ الْقيام بأمرهم من أَمر الدّين وَالدُّنْيَا وَكَذَلِكَ من أوجب الله تَعَالَى عَلَيْهِ عيلته وَفرض عَلَيْهِ الْقيام بأَمْره من الْآبَاء والأمهات والأزواج وصغار الْأَوْلَاد الَّذين لم يخْتَلف الْمُسلمُونَ فِي أَن أُمُورهم وَاجِبَة وَأَن تَركهم مَعْصِيّة إِذا كَانُوا فِي حَال الْحَاجة
وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ (كفى بِالْمَرْءِ شرا أَن يضيع من يعول)
وَلَا يكون قَول النَّبِي ﷺ كفى بِالْمَرْءِ شرا) وَهُوَ لَا يجب عَلَيْهِ عيلتهم وَلَا حينما تكون عيلتهم تَطَوّعا مِنْهُ يتَطَوَّع بِهِ لِأَن الشَّرّ بلَاء وَاقع وعقوبة نازلة وَالله جلّ ثَنَاؤُهُ لَا يُعَاقب على ترك مَا لَا يجب وَإِنَّمَا أخبرنَا أَن وعيده وعقوبته وَاقعَة على من عَصَاهُ وَخَالف أمره
فسعيهم فِي الْأُمُور تحر مِنْهُم للموافقة ورغبة مِنْهُم فِي الطَّاعَة وَلَيْسَ سَعْيهمْ فِي ذَلِك كسعي من أَرَادَ الْكَثْرَة لما بانوا بِهِ من الِاشْتِغَال بِمَا هُوَ أولى بهم وآثر فِي نُفُوسهم فَإِن وَجب شَيْء من ذَلِك وَسعوا فِيهِ كَانَ سَعْيهمْ والقلوب إِلَى الله جلّ وَعز فِي ذَلِك ناظرة وَإِلَيْهِ فِيهِ سَاكِنة بدوام ذكر مبَاشر لقُلُوبِهِمْ ودوام معرفَة مغشية لَهُم واستجابة لله مُتَّصِلَة بهم
قد نفرت الْقُلُوب لذَلِك من أَسبَاب الخليقة وانقطعت من مطامع الرِّيبَة وأعتقت من ربقة الْأَسْبَاب ورق أهل الدُّنْيَا وتفردت فِي كل
[ ٣٣ ]
حَال بوليها والقائم عَلَيْهَا بِمَا كسبت والعالم بهَا فِي مَكْنُون ضميرها
لَا يفترون فِي سَعْيهمْ عَن مواصلته وَلَا يقصرون عَن شَيْء أَمر بِهِ من حَيْثُ بلغته الْعُقُول المذكاة بفطن الْفَهم عَنهُ وأوصل إِلَيْهِ غليان الْعلم والمعرفة بِهِ
وَكَانَ سَعْيهمْ فِي الْكسْب على وَصفنَا من أفضل الْقرب إِلَى سيدهم وأخص الْأَعْمَال فِي حَال مَنَازِلهمْ
فَكَانَت إِقَامَة الشّغل بِهِ عَلَيْهِم آثر عِنْدهم من التشاغل بِغَيْرِهِ لما بَان من فضل مُوَافَقَته فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ وَأمر بِهِ
فَهَذِهِ صفة سَعْيهمْ وَلم يكن السَّعْي فِي ذَلِك قادحا فِي صفاء الذّكر الْقَائِم لَهُم وَلَا منقصا مَا خصوا بِهِ من حَال قرب الْقُلُوب ومراتبها وَحَال الْمنَازل المرجوة لَهُم من السَّيِّد الْكَرِيم فَهَذِهِ صِفَات حركات الصديقين والأولياء فِي المكسب
وَالدَّلِيل على ذَلِك فعل أبي بكر الصّديق وَعمر الْفَارُوق وَعُثْمَان ذِي النورين وَعلي بن أبي طَالب وَأكْثر أَصْحَاب النَّبِي ﷺ من المختارين لصحبته المنتخبين لمعونته سرج الأَرْض ومصابيحها وزهرة الدُّنْيَا وَزينتهَا المقدمين بِالْفَضْلِ على خَواص الْأُمَم السالفة والسابقين غَدا بِالطَّاعَةِ فِي الْآخِرَة خلف الْأَنْبِيَاء ﵈ وأئمة الْحق وَحَملَة الْعلم ومعادن الْحِكْمَة ومناهل التَّقْوَى والقوام بنوائب الدّين وشرائعه الَّذين بَين الله ﷿ فَضلهمْ بباطن الْحِكْمَة على لِسَان نبيه ﷺ فَقَالَ ﷿ ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾
[ ٣٤ ]
)
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾
وَقَالَ ﷿ ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾
فمدح أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من كِتَابه وهم أفضل أهل الأَرْض بعد الْأَنْبِيَاء ﵈ وأعمالهم أفضل الْأَعْمَال وَأَشْرَفهَا ومقاماتهم أرفع المقامات وأعلاها وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ (لَو أنْفق أحدكُم مثل أحد ذَهَبا مَا بلغ مد أحدهم وَلَا نصيفه)
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (خير أمتِي أَولهَا)
وَقَالَ ﷺ (خير النَّاس قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ)
وَقَالَ ﷺ (إِن الله اخْتَار أَصْحَابِي على جَمِيع الْأُمَم)
[ ٣٥ ]
وَقَالَ ﷺ (خير النَّاس الْقرن الَّذين بعثت فيهم)
وَهَذَا يكثر فِي السّنة عَن رَسُول الله ﷺ
وَأول مَا نبدأ بِذكرِهِ ونحتج بِفِعْلِهِ الصّديق رضوَان الله عَلَيْهِ صدق رَسُول الله ﷺ حِين كذب وَأنْفق عَلَيْهِ مَاله حِين منع وأنيسه فِي الْغَار حِين أوذي وجليسه فِي الْعَريش يَوْم بدر حِين حورب وَأول من اتبعهُ وَصدقه وَمن فعائله تكْثر على لِسَان مُحَمَّد ﷺ وَمن أجمع لَهُ الْمُسلمُونَ بِالْفَضْلِ بعد نَبِيّهم ﷺ وَرَضوا بِهِ خَليفَة بعد رسولهم لما رَأَوْا من تَقْدِيمه ﷺ لَهُ فِي صلَاتهم وَفِي عَظِيم أَمر دينهم
فاحتذى فِي الْأَمر سَبِيل الْمُصْطَفى وسلك فِيهِ منهاج المرتضى وَقَامَ بِأَمْر الله قيام الْأَنْبِيَاء فَجمع من الْإِسْلَام شَمله حِين تفرق وَقَامَ بأوده حِين وهى وَمنع حريمه حِين اخترم ورتق بِالْحَقِّ خلله حِين انفتق جتى عَاد بعد الِافْتِرَاق مثقفا وَبعد الوهن قَوِيا وَبعد الْخلَل متسقا
وَأجْمع لَهُ الْمُسلمُونَ بِالصَّوَابِ فِي فعله وبالعدل فِي جَمِيع حكمه أَشد الْخلق بعد نبيه فِي دينه وأقومه بأَمْره رضوَان الله عَلَيْهِ وَرَحمته وَلم يزل على سَبيله المتين وقصده الْوَاضِح حَتَّى توفاه الله ﷿ حميدا
وَكَانَ من فعله لما اسْتخْلف وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أمره أَن رأى الْكسْب على عِيَاله أفضل الْأَعْمَال وأوصل الْقرْبَة وَأَعْلَى الطَّاعَة فَمضى إِلَى السُّوق متكسبا عَلَيْهِم فأدركه أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي السُّوق فَقَالُوا لَهُ يَا خَليفَة رَسُول الله أَمر الْمُسلمين
[ ٣٦ ]
فَقَالَ لَهُم (لَا يقر ذَنبي على عيالي افرضوا لي فرضا) وَكَانَ الْمُخَاطب لَهُ فِي ذَلِك عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب ﵄ ففرضوا لَهُ فرضا رَضِي بِهِ وَرجع إِلَى أُمُورهم بعد أَن أحكم أَمر عِيَاله ﵁
وَكَذَلِكَ كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ فِي الْفضل وَفِي شدَّة الْإِسْلَام وَالْقِيَام بأوده فَكَانَ يَأْخُذ قوته وقوت عِيَاله وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنهُ ﵁ أَنه قَالَ (أَتَدْرُونَ مَا اسْتحلَّ من هَذَا المَال ثَوْبَيْنِ للشتاء والقيظ وظهرا أحج عَلَيْهِ وقوت رجل من قُرَيْش لَيْسَ بأوضعهم وَلَا بأرفعهم)
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الإشفاق على الْمُسلمين فَقَالَ (وَالله مَا أَدْرِي أَيحلُّ لي أم لَا)
وَكَذَلِكَ كَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ بعدهمَا فِي الْفضل وَالْقِيَام بِالْأَمر والمجتمع عَلَيْهِ فِي الْعدْل
وَكَذَلِكَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بعدهمْ فِي الْفضل وَالدّين وَالْعلم والحلم كَانَ يَسْتَسْقِي دلوا بتمرة بعدهمْ وَكَانَ لَهُ ناضحان ينْقل عَلَيْهَا الْإِذْخر يَسْتَعِين بِهِ على تَزْوِيج فَاطِمَة ﵂
وآخى النَّبِي ﷺ بَين قيس بن الرّبيع وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ قيس لعبد الرَّحْمَن هَذَا شطر مَالِي ولي امْرَأَتَانِ أنزل لَك عَن وَاحِدَة وَكَانَ مَال قيس المَال الصَّامِت الَّذِي يرغب فِي مثله
[ ٣٧ ]
فَقَالَ عبد الرَّحْمَن لَا حَاجَة لي بذلك دلَّنِي على السُّوق فَمضى إِلَى السُّوق متكسبا على نَفسه فَعَاد وَقد أصَاب شَيْئا من سمن وإقط وَذَلِكَ لما عِنْد عبد الرَّحْمَن من فضل الْكسْب وَفضل الْحَرَكَة لطلب الثَّوَاب
وَكَذَلِكَ يرْوى للنَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه)
فآثر عبد الرَّحْمَن الْكسْب على مَال طيب هُوَ مَال رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَا شكّ فِي أمره وَلَا فِي النَّفس مِنْهُ شُبْهَة عرض عَلَيْهِ من غير مَسْأَلَة وَلَا إشراف من نفس
فَهَذِهِ حجتنا فِي الْحَرَكَة من الْكتاب وَالسّنة وَفعل أكَابِر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ
وَكَذَلِكَ كَانَ التابعون من بعدهمْ مِمَّن يجب علينا تقليدهم وَالْأَخْذ عَنْهُم وهم الَّذين ألزم ﷿ الْخلق طاعتهم والاقتداء بهم فَقَالَ جلّ وَعز ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾
وهم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَمن بعدهمْ من صالحي الْعلمَاء والأخيار فِي هَذَا والاحتجاج بهَا يكثر
وَفِيمَا أوردنا وَذكرنَا من ذَلِك كِفَايَة إِن شَاءَ الله
ونسأل الله جلّ وَعز خير التَّوْفِيق لإصابة الْحق
[ ٣٨ ]