-
وَأما منزلَة السُّؤَال فقد اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَأكْثر الْعلمَاء وَفِيهِمْ الْأَوْزَاعِيّ وَقد روى عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَقد ذكر ابْن الْمُبَارك ذَلِك وَابْن إِدْرِيس إِذا مَرَرْت بِأَرْض فَلَا تسل عَنْهَا
وَقد قَالَ بعض هَؤُلَاءِ اشْتَرِ وبع فِيهَا
وَقَالَ ابْن الْمُبَارك وَابْن إِدْرِيس إِن أردْت الْمقَام فاسأل
وأبى ذَلِك طوائف من أهل الحَدِيث وَالْفِقْه وَقَالُوا لَا تسل إِلَّا أَن يغلب على أَرض فِيهَا الغصوب والصوافي فَإِذا ستر فَلَا تسل وَأَيْضًا إِن أَبَا بكر الصّديق ﵁ حِين سَأَلَ إِنَّمَا سَأَلَ ملكا هُوَ لَهُ عبد
وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن كسب الْأمة حَتَّى يعلم من أَيْن كسبت وَهَذَا الْوَاجِب على سيد الْأمة فَالْعَبْد لَا بُد أَن يعلم ذَلِك
وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ عَلَيْهِ أَن يسْأَل وَإِن سَأَلَ كَانَ أفضل
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَيْسَ هَذَا زمَان سُؤال
وَقَالَ غير الْأَوْزَاعِيّ قد فاض الْبَحْر فَلَيْسَ هُوَ إِلَّا الْفقر والتقلل لِأَن الْأَشْيَاء تقاربت إِلَّا أَنه يَنْبَغِي لأهل الْعِنَايَة بِالدّينِ وَمن كَانَ مُنْفَردا
[ ١٠٣ ]
لَا عِيَال لَهُ وَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ أحد فِي كَسبه أَن يطْلب الْوَسِيلَة والسبق إِلَى رضوانه بالتقرب فِي إصْلَاح الكسرة وَإِن كَانَ فِي ذَلِك حملان على نَفسه ومكروه وَثقل على بدنه
فَإِن ذَلِك أعون على مُبَاشرَة الطَّاعَة
وَقَالَ يُونُس بن عبيد لم أر أعز مِمَّن لَهُ أَخ فِي الله تَعَالَى يسكن إِلَيْهِ وَدِرْهَم من حَلَال
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان يعز فِيهِ دِرْهَم من حَلَال وَأَخ فِي الله مؤنس
وَقد كَانَ ابْن أدهم لَا يحصد إِلَّا فِي الأَرْض الَّتِي اكتربت من الأنباط وَلَا ينقر فِي زيتون إِلَّا عمري وكرم فِي يَده نبطي
وَقد امْتنع وهيب بن الْورْد من طَعَام مصر أَيَّامًا لما قيل لَهُ هُوَ من الصوافي فَكَانَ إِذا أكله يَأْكُلهُ بدموع عَيْنَيْهِ وَيَقُول مَا آخذه إِلَّا اضطرارا
وَكَانَ يُوسُف بن أَسْبَاط يَقُول قد زاحمنا هَؤُلَاءِ الخصيان فلنجعلن الْغذَاء على أَنْصَاف الْبُطُون
وَأما ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي أَرض الْفَيْء وَالْخَرَاج فَالْقِيَاس فِي كل مَا فتح عنْوَة أَلا يَشْتَرِي وَلَا يُبَاع وَقد خَاصم عمر بن الْخطاب الزبير بن الْعَوام وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وبلال ﵃ فِي أَرض السوَاد فَقَالَ عمر ﵁ أَنْت على سُورَة الْحَشْر ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان﴾
وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَاسم مُشْركًا وَقد كَانَ أعطَاهُ بحيلة ربع السوَاد ثمَّ استرده لِأَنَّهُ أقطع قطائع وَاصْطفى صفايا مثل عين التَّمْر ومغيض
[ ١٠٤ ]
كسْرَى وَأَرْض بني صلوبا
وَكَذَلِكَ فتح خَالِد بن الْوَلِيد وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَيزِيد بن أبي سُفْيَان من أَرض دمشق وخثعم وَقيس ثمَّ أقرهم على الْكَنَائِس وَأوجب على الديارات ضِيَافَة من يمر بهم ثَلَاثَة أَيَّام
وَأما مصر قلا يَشكونَ أَنَّهَا فتحت عنْوَة وفيهَا صوافي دولة بني أُميَّة ودولة بني الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فقد امْتنع نَاس كَثِيرُونَ من أكل طعامها
وَأما الطَّائِف فَإِن النَّبِي ﷺ قد أَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى افتتحها
وَاخْتلف النَّاس فِي مَكَّة فَكَانَ الشَّافِعِي ﵀ يَقُول فتحت صلحا وأبى ذَلِك النَّاس فَقَالُوا عنْوَة
وَدخل النَّبِي ﷺ مَكَّة وَقيل لَهُ أَيْن تنزل فَقَالَ (مَا ترك لنا عقيل من رباع) يَعْنِي أَن عقيلا ورث أَبَا طَالب فَهَذَا يدل على قَول الشَّافِعِي
وَقد اتّفقت الْفرق فَكَانَ قَوْلهَا وَاحِدًا أَن مَا عمله السُّلْطَان مثل الْمَسَاجِد الجامعة والحصر فِيهَا فَالصَّلَاة عَلَيْهَا عِنْدهم جَائِزَة وَكَذَلِكَ حفر الْأَنْهَار والبرك والمصانع والآبار الَّتِي لَا يمْنَع مِنْهَا الْعَام وَالْخَاص وَالْمَشْي على الجسور والعبور على القناطر وَفِي الظلال وَفِي الْأَسْوَاق وَفِي الطّرق الَّتِي يصلحها الْأُمَرَاء
وَهَذَا كُله مَا وجدنَا عَالما وَلَا ناسكا وَلَا متعبدا وَلَا متصوفا يجْتَنب شَيْئا مِمَّا قُلْنَا إِلَّا طَائِفَة غالطة قَالَت إِذا لم يعدل الإِمَام فِي الرّعية وَيقسم الْفَيْء بِالسَّوِيَّةِ وَيُعْطِي الْعَطاء وَيُسَوِّي بَين النَّاس فِي
[ ١٠٥ ]
الأرزاق وَيَكْفِي الْعَامَّة ويفدي الْأَسير ويجاهد الْعَدو وَيُقِيم لَهُم الْحَج وَلَا يستأثر دونهم بالفيء كَانَ عَاصِيا وكل من رَضِي بإمامته كَانَ عَاصِيا
فَهَذِهِ فرقة خوارج مرقوا من الدّين وَخَرجُوا من حد الْإِسْلَام بل قد قَالَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لَا بُد من إِمَارَة برة أَو فاجرة
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (سَيكون عَلَيْكُم أُمَرَاء يعْرفُونَ وَيُنْكِرُونَ فَمن أنكر فقد برِئ وَلَكِن من رَضِي وتابع)
وَقَالَ ﷺ (يكون عَلَيْكُم أُمَرَاء يؤخرون الصَّلَاة فصلوا لوَقْتهَا ثمَّ صلوا مَعَهم تكون نَافِلَة)
وَقد قيل للنَّبِي ﷺ وَقد ذكر أهل الْجور من الْأُمَرَاء أَلا ننابذهم فَقَالَ (دعوهم مَا صلوا للْقبْلَة)
وَأجْمع أهل الْعلم على الْكَفّ عَن الْأُمَرَاء الْمُسلمين والسمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر وَألا يُنَازع الْأَمر أَهله إِلَّا فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لَهُم فِي ذَلِك
وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ لَا تسبوا السُّلْطَان
وَقَالَ ابْن عمر لَو لم تسبوهم لسلط الله عَلَيْهِم نَارا من السَّمَاء وَلَكِن قُولُوا اللَّهُمَّ آذهم كَمَا آذونا
وَقَالَ عمرَان بن حُصَيْن لحكيم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ إِنَّه يذكر يَوْمًا أَنه قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ (لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق) قَالَ
[ ١٠٦ ]
وَقَالُوا فِي الصَّلَاة فِي الْغَصْب إِن كَانَ مَسْجِدا فِي طَرِيق الْمُسلمين وَكَانَ لَهُ سَعَة فِي الطَّرِيق فَلَا بَأْس بِهِ وَإِن كَانَ فِي أَرض مَغْصُوبَة من الدّور فَكَانَ سُفْيَان يبطل الصَّلَاة فِيهَا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ إِن صلى وَلم يعلم فَصلَاته جَائِزَة وَلَا يُعِيد
وَقَالَ وَكِيع بن الْجراح يُعِيد مَا دَامَ فِي الْوَقْت فَإِذا خرج الْوَقْت فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ
وَقد كرة جمَاعَة الصَّلَاة فِي الْغَضَب إِلَّا أَنهم لَا يوجبون على الْمصلى بِإِعَادَة مِنْهُم الشَّافِعِي وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي ﷺ (جعلت الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا إِلَّا الْحمام والمقبرة) وَقَالَ ﷺ (لَا تصلوا الى الْقُبُور)
ثمَّ طوائف قد كَرهُوا الْمَشْي فِي أَرض الصوافي حَتَّى قَالَ بَعضهم إِن كَانَ والداه أَو أَحدهمَا بَعثه فِي حَاجَة وَكَانَ طَرِيقه فِيهَا لم يطع وَالِديهِ
وَقَالَ بَعضهم إِن كَانَ طَرِيقا كَانَ يسْلك من قبل الْغَضَب أَو مَسْجِدا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ أَو فِي فندق أَو خَان أَو دَار من دور التُّجَّار فَلَا بَأْس بسلوك الطَّرِيق وَالصَّلَاة فِي ذَلِك الْمَسْجِد
وَإِذا كَانَ روشنا أَو ساباطا على طَرِيق ظلما فَكَانَ لَهُ فِي غَيره منفذ لم يَأْخُذ فِيهِ وأتى ذَلِك فِي كثير فِي الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَقَالُوا لَا بَأْس بِالْمَشْيِ فِي أَسْفَل الساباط والروش وَنَحْو ذَلِك
[ ١٠٨ ]
وَكَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين يَقُول ظلال أَصْحَاب السابري من الْغِشّ
وَكَانَ مُحَمَّد وَالْحسن يكْرهُونَ بيع الْحَرج فِي الْفِتْنَة
قَالَ أَبُو عبد الله المحاسبي ﵀ فقد وَصفنَا طَرِيق القاصدين إِلَى الله ﷿ بصفاء الْمطعم وَالْمشْرَب والملبس وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على خَاتم النَّبِيين مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا
[ ١٠٩ ]