-
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي جوائز السُّلْطَان
فَكرِهت ذَلِك طَائِفَة وَلم تَرَ طَائِفَة بذلك بَأْسا وَفرْقَة قَالَت حَلَال وَفرْقَة قَالَت شُبْهَة وَفرْقَة قَالَت حرَام وَهَذِه الْفرق مُخَالفَة للسّنة وَأكْثر الْعلمَاء نافون لَهُم لجهلهم فَأَما الَّذين قَالُوا بالكراهية فَالَّذِي يخالط الْفَيْء وَالْغنيمَة من الظُّلم والعدوان فِي الجبايات والقبالات الرحاب وَأخذ الرشا والجور وَالظُّلم وإصراف المَال فِي غير حُقُوقه وَأَخذه من غير وَجهه
وَأما الَّذين قَالُوا لَا بَأْس بِهِ فَإِنَّهُم تأولوا قَول عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بِأَن مَا يدْخل فِي بَيت مَالهم من الْحَلَال أَكثر من الْحَرَام
وَأخذ ابْن عمر ﵁ من الْحجَّاج وَعبد الْملك بن مَرْوَان وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَأنس بن مَالك وَكَذَلِكَ جمَاعَة من التَّابِعين رَضِي
[ ٨٩ ]
الله عَنْهُم أخذُوا من السُّلْطَان مِنْهُم الْحسن وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَمن بعدهمْ جمَاعَة أَيْضا
وَقَالَت طَائِفَة الْأَخْذ مِنْهُم شُبْهَة لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِي ذَلِك ﵃ لِأَن من سوى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قد خالط مَالهم الظُّلم والعدوان والاعتداء فِي الْأَمْوَال إِلَى عصرنا هَذَا أَو سفك الدِّمَاء أَو الضَّرْب على الْجور بِالسَّوْطِ ويستحل فِيهِ الْفَيْء وَالْغنيمَة
وَقد ترك الْأَخْذ من أَمْوَالهم سعيد بن الْمسيب وَطَاوُس وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَيوب وَابْن عون وَيُونُس بن عبيد وَكَانَ مَسْرُوق لَا يقبل من أحد شَيْئا وَلَا يَأْخُذ على الْفتيا أجرا وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَصْحَابه لَا يرَوْنَ ذَلِك
وَقد اخْتلف عَن سُفْيَان فِي كثير من هَذِه الْمعَانِي وَأحمد بن حَنْبَل يرى لمن ولي شَيْئا من أَمْوَالهم أَن يفرقه كَمَا صنع فِي الماضيين غير وَاحِد
وَقد روى عَن ابْن عمر وَعَائِشَة ﵄ أَنَّهَا كَانَت تَأْخُذ عطاءها اثنى عشر ألفا وترقع رداءها وَلَا يبيت عِنْدهَا مِنْهُ شَيْء وَالْمُخْتَار عَن عَائِشَة أَنه حَلَال طيب وأنما فرقته خوفًا على نَفسهَا
وَقد آثر ترك الْأَخْذ من الْأَئِمَّة الْعُدُول الَّذين أَجمعت الْأمة على عدالتهم وفضلهم وَطيب مجباهم طَائِفَة مِنْهُم حَكِيم بن حزَام وَأَبُو ذَر لقَوْل النَّبِي ﷺ (خير لأحدكم أَلا يَأْخُذ من أحد شَيْئا) فَكيف بِمن بعدهمْ وَقد خالط المجبي مَا خلطه من الْفساد
[ ٩٠ ]
وَمن قصد ترك أَمْوَالهم من الجوائز والعطيات والهدايا والصلات وَالسُّؤَال لَهُم فقد أَتَى فضلا وقربة تُؤَدِّيه بُلُوغ تِلْكَ الْمرتبَة إِلَى أعظم منَازِل الْخَواص من الْمُسلمين وَالدُّخُول فِي مرتبَة أهل الصفوة من الْعمَّال
لأَنا قد رَأينَا كثيرا من الْعلمَاء لَيْسَ مَعَهم السعَة فِي الْعلم وَمَعَهُمْ ضيق فِي التفقه فِي الدّين وَقلة رِوَايَة فِي الحَدِيث إِلَّا أَن الْمرتبَة فِي التّرْك جعلت لَهُم ذكرا عِنْد الْخَاصَّة والعامة على فَضلهمْ وأورثتهم هَذِه الْمنزلَة شدَّة المباينة وعظيم الحذر من مواقعة الشُّبُهَات لما ركب فِي الْقُلُوب الخشية وَخَوف السُّؤَال عِنْد الْعرض على الْجَبَّار ﵎ وَحَملهمْ الحذر على خوف معالجة الْمَوْت لِأَن أول مَا يَأْكُل التُّرَاب من ابْن آدم لَحْمه فَلَا يكون ذَلِك فِي نَبَاته إِلَّا من طيب فَإِن الله ﷿ لَا يقبل إِلَّا طيبا
وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (ترَاهُ أَشْعَث أغبر مطعمه من حرَام ومشربه من حرَام وملبسه من حرَام فَأنى يُسْتَجَاب لَهُ)
وَقَالَ لسعد (أطب مطعمك تستجب دعوتك)
وَقيل لسعد بِمَ تستجاب دعوتك قَالَ بِأَنِّي لَا أَدخل بَطْني إِلَّا شَيْئا أعرفهُ
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ لَو صلى وَفِي ثَوْبه سلك حرَام فِيهَا دِرْهَم حرَام لم يقبل مِنْهُ
وَرَأى مثله كَذَلِك عَن ابْن عمر وَمن اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وفيهَا دِرْهَم حرَام لم تقبل لَهُ فِيهَا صَلَاة
وَالله أعلم مَا أَرَادَ ابْن عمر وَابْن عَبَّاس إِلَّا أَن الحَدِيث عَن ابْن
[ ٩١ ]
عمر من وَجه ضَعِيف وَله تَأْوِيل يَقُول مَا دَامَ الْحَرَام فِي ثَوْبه يتخوف حَتَّى يخرج من الْحَرَام
إِلَّا أَن الْإِجْمَاع منع من ذَلِك فأجمعت الْأمة كلهَا على أَن الصَّلَاة لَا تُعَاد
وَقد غَلطت طَائِفَة من الْقُرَّاء والنساك فَقَالُوا الصَّلَاة بَاطِلَة بِمَا لبس من الْحَرَام فِيهَا وَبِذَلِك قَالَ أَصْنَاف من الْخَوَارِج وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْمهْر حَرَامًا فَالنِّكَاح وَالْوَطْء فَاسد
وَهَذَا خُرُوج من قَول الْأمة كلهَا وَمن قَالَ بِهَذَا القَوْل سمي بذلك عَاصِيا من أجل أَن العقد فِي النِّكَاح إِنَّمَا تمّ بالْكلَام بقوله تزوجت وَيَقُول هَذَا زوجت على صدَاق مُسَمّى أَو على التَّفْوِيض فَيكون لَهَا صدَاق الْمثل وَيكون عَلَيْهِ الْوزر بِالصَّدَاقِ الْحَرَام من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يكون الْفرج حَرَامًا
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلَام الله)
وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّوْبَة وَأَن يبْذل درهما مَكَان دِرْهَم ودينارا مَكَان دِينَار
وَأما من اشْترى جَارِيَة فتسرى بهَا من مَال حرَام من غصب فَأكْثر الْعلمَاء قَالُوا الْوَطْء فَاسد لِأَنَّهُ صَار ملكا وَالْملك لَيْسَ بِحرَام وَكَيف يملكهَا وَالْمَال لَيْسَ لَهُ وَهَذِه الْمَسْأَلَة يطول شرحها
وَفِي هَذَا كِفَايَة لمن أَرَادَ أَن يسْتَدلّ
وَأما الَّذين حرمُوا العطايا من السلاطين فقد غلطوا لَعَلَّه أَنه لَيْسَ بِحرَام كُله فَكيف يجوز أَن يُقَال حرَام وَفِيه دِرْهَم حَلَال
وَيلْزم الَّذين حرمُوا أَيْضا على قِيَاس قَوْلهم أَنه لَو كَانَ سكين من أَمْوَالهم فذكوا بهَا
[ ٩٢ ]
لَا تكون ذَكَاة عِنْدهم لسَبَب الْحَرَام حَتَّى يكون سكينا من حَلَال وَيكون ضَامِنا لما جنى وَكَذَلِكَ لَو اشْترى مُصحفا من مَال حرَام وَحفظ فِيهِ الْقُرْآن لوَجَبَ أَن ينساه وَلَا يُجزئهُ أَن يقْرَأ فِي صلَاته بِمَا حفظ من جوائز السُّلْطَان وَلَا أَن يُعْطي المؤذنين والمعلمين كَذَلِك
وَهَذِه الْفرْقَة من المتصوفة جاهلة بالفقه وَالْأَخْبَار وَإِن كَانَ مَعهَا الزِّيَادَة
وَقد توفّي نفر من أهل الْعلم المطاعم الَّتِي لم يأمنوا أَن تختلط أَو قد اخْتَلَط حرَام بحلال فِيهَا خوف عسر الْحساب وتنزهوا ليدركوا بذلك الصَّوَاب وَقَالُوا التَّحَرِّي أصل مَعْمُول بِهِ وقاسوا على الشَّاة الذكية وَالْميتَة لَا يدْرِي أَيَّتهمَا الذكية بِالْوُقُوفِ وَترك أكلهَا حَتَّى يتَبَيَّن وَكَذَلِكَ كل مَا اخْتَلَط فَلم يعلم الْحَلَال مِنْهُ من الْحَرَام وَكَذَلِكَ الْأُخْتَيْنِ الرضيعتين لَو طلق إِحْدَى امرأتيه وَلَا يدْرِي أَيَّتهمَا طلق
وَقد سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الضَّب فَقَالَ (لَا آكله وَلَا أحرمهُ) وَقَالَ (أمة مسخت) وَالله أعلم
وَلِهَذَا نَظَائِر وشواهد وَدَلَائِل
وَأما مَا احْتَجُّوا بِهِ على أبي بكر الصّديق ﵁ فَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد بن حَنْبَل يَقُولَانِ الْعَمَل على حَدِيث أبي بكر وَاجِب اسْتِعْمَاله
والتأويل لحَدِيث أبي بكر أَو الْغُلَام إِذْ قَالَ لأبي بكر ﵁ أَنِّي رقيت فِي الْجَاهِلِيَّة فأعطوني الْيَوْم أجرتي فالرقي حرَام وَالْأُجْرَة عَلَيْهَا فَاسِدَة وَالْأكل من الْفَاسِد حرَام لفساده بالرقي الَّذِي اكْتَسبهُ مِنْهَا فَكَذَلِك فِي أكل الْحَرَام إِذا بَان عِنْده فَقدر أَلا يقره فِي جَوْفه فعل
وَجَمِيع أَعمال الْبر من الصَّلَاة وَالصَّوْم والغزو وَالْحج مَعَ كثير من الطَّاعَات لَا تقوم مقَام تصفية الْخبز لِأَن زَكَاة الْأَعْمَال كلهَا بِطيب الْمطعم وَمن طيب الْمطعم تجني ثَمَرَة دواعي الصدْق والقليل من
[ ٩٣ ]
الْعَمَل مَعَ الِاجْتِهَاد فِي السَّلامَة من التَّخْلِيط خير من كثير من الْعَمَل مَعَ التخاليط وَإِنَّمَا مَحْمُود العواقب فِي السَّلامَة
فَإِذا صحت الكسرة حَتَّى تسلم من آفَات التَّبعَات فَلَا تكون عَلَيْك فِيهَا لله تَعَالَى تبعة وَلَا لأحد من المخلوقين عَلَيْك فِيهِ مِنْهُ من تَعب فِي بدن وعناء فِي الرجل وكد فِي الْيَد على الدّين
وَقد كَانَ يُقَال فِي الْكتب من كَانَت هَذِه صفته فِي حَيَاته فقد طَابَ حَيا وَمَيتًا وَإِنَّمَا يُثمر الصدْق حَتَّى يَعْتَقِدهُ الْقلب فينفي الْقلب باعتقاده دواعي السعَة فِي الرُّخْصَة
وعَلى قدر التَّأْدِيب للنفوس ساعدتهم فَرَفَضُوا الشَّهَوَات وجانبوا اللَّذَّات حَيْثُ لم يصلوا من سَعَة المكسب لما يشبعون بِهِ وأخمصوا الْبُطُون جوعا حَتَّى يَجدوا لَهَا مَا يصلحها من الْحَلَال
فَإِن لم يجدوه وصعب ذَلِك أخذُوا من الشُّبُهَات بلغَة لساعتهم لَا ليومهم وَمنعُوا النُّفُوس من أَن تشبع من خبز الشّعير إِن قدرُوا على النُّفُوس وَإِلَّا استعانوا بعظيم الْخَوْف عِنْد المساءلة والحساب
[ ٩٤ ]