-
وَهَذَا جوع ذهبت إِلَيْهِ طوائف من الْعلمَاء إِذا وجدوا الْحَلَال شَبِعُوا وآثروا
وَإِن كَانَ جوعهم عدم لَا تكلّف فِيهِ لفضيلة وَهَذَا مَذْهَب سُفْيَان الثَّوْريّ وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَشُعَيْب بن حَرْب والمعافى بن عمرَان وَحُذَيْفَة المرعشي وَبشر بن الْحَارِث الحافي وَقد ذكرت هَذِه الْمرتبَة عَن جمَاعَة كَثِيرَة لَا يُحْصى عَددهمْ
ثمَّ الْجُوع بعد ذَلِك على معَان قصد لَهَا المتعبدون فَمن الْمعَانِي التَّأْدِيب للنَّفس بالنقلة من حَالَة إِلَى حَالَة وَقطع الإلف من دواعي الشُّبُهَات وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين فَمن أَخذ بذلك فعنهم أَخذه
وجوع آخر وَهُوَ إِذا هاج من النُّفُوس دواع تتحرك لَهَا الطبائع من الشَّهَوَات منعوها بالعقوبات مَا لَهَا من الْغذَاء وَمن حُقُوقهَا اللَّازِمَة من الْغذَاء وَالْعشَاء وَمن مغرب إِلَى مغرب حَتَّى أخرجوها من وَقت إِلَى وَقت ومنعوها عُقُوبَة لَهَا إِن دعت إِلَى مَا لَيْسَ لَهَا من ذَلِك
وَذكروا أَن غَزوَان الرقاشِي نظر إِلَى مَا لَا يحل لَهُ ففقأ عينه وَفتح الْموصِلِي قَالَ لَو نظرت عَيْني إِلَى شَهْوَة لقلعتها وَغير وَاحِد من الْبَصرِيين فعل ذَلِك
[ ٩٧ ]
فواصل وَأدْخل يَوْمًا فِي يَوْم عُقُوبَة للنَّفس إِذا دعت إِلَى الشَّهَوَات
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِذا دعتك نَفسك إِلَى مَا لَيْسَ لَهَا فامنعها مَا لَهَا
وجوع آخر صَاحِبَة مفوض إِلَى ﷿ فِي حَالَة الْمَنْع وَالعطَاء فَإِن أعْطى حمد وشكر وَإِن منع صَبر واحتسب وَكَذَا رُوِيَ عَن جمَاعَة
وَقد كَانَ أهل الصّفة على الْحق من ذَلِك وَهَكَذَا كَانَ جوع أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ إِذا أعْطوا أكلُوا وشكروا وَإِذا منعُوا حمدوا وصبروا فَلم يجْعَلُوا الْجُوع لَهُم سَببا وَلَا طَرِيقا وَلَا الشِّبَع لَهُم منزلَة وَذَلِكَ أَنه فِي الشِّبَع غلظا وصلابة عِنْد الْوَعْد والوعيد وَفِي الْجُوع رقة واهتياجا للبر
وَقد زعمت طَائِفَة أَنه لَا مرتبَة أعظم من الْجُوع لِأَنَّهُ سيد أَعمال الْبر وَكَذَلِكَ الْجَوَارِح لَا تَأْخُذ الصَّيْد حَتَّى تجوع وتهيج على الصَّيْد وَكَذَلِكَ الْجُوع عِنْدهم وهم طوائف من الْبَصرِيين فَمن أَخذ بذلك وأدب نَفسه بِهِ فعنهم أَخذ وَلم نتبين فِي هَذِه الْمنزلَة مرتبَة يبين فِيهَا الْفضل من أجل أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (الطاعم الشاكر بِمَنْزِلَة الجائع الصابر)
وَبعد فَإِن منزلَة الْجُوع وَإِن ولدت الْخُشُوع فَإِن الشِّبَع يطردها فَأَيْنَ الْخُشُوع فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا تحمد الْمنزلَة مَا كَانَ لَهَا زِيَادَة
وَلَكِن يَجْعَل الصَّوْم طَرِيقا واصلا إِلَى الرّيّ والشبع يَوْم الْحَاجة والفقر إِلَى الله ﷿ وَلَيْسَ شَيْء أعظم مرتبَة من الْفقر إِلَى الله ﷿ لِأَن الْفُقَرَاء قد علمُوا علم يَقِين غير شاكين أَن الله ﷿ قَادر على أَن يَأْمر أرديتهم الَّتِي على رقابهم أَن تبلغ مِنْهُم من الْمَكْرُوه مَا إِن تعجز النَّار عَن صفة ذَلِك لعجزت
[ ٩٨ ]
فأفضل الْجُوع جوع الْمَنْع وجوع التَّكَلُّف يفتضح بالشبع وَإِن كَانَ فِي الصَّوْم جوع فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الترهب لله ﷿ والسياحة لذَلِك وَكَذَلِكَ يرْوى عَن الله ﷿ قَالَ (الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ يدع ابْن آدم طَعَامه وَشَرَابه من أَجلي)
وَهَذَا هُوَ التَّرْغِيب فَمن دَعَا النَّاس إِلَى الْجُوع فقد عصى الله وَهُوَ يعلم أَن الْجُوع قَاتل وَقد فعل ذَلِك بِخلق كثير من زَوَال الْعقل حَتَّى تركُوا الْفَرَائِض وَمِنْهُم من يعمد إِلَى سكين فَيذْبَح نَفسه وَمِنْهُم من يتَغَيَّر طبعه ويسوء خلقه
قَالَ وهب بن مُنَبّه إِذا صَامَ العَبْد زاغ الْبَصَر وَإِذا أفطر على الْحَلْوَى رَجَعَ
وَمن دَعَا إِلَى الشِّبَع فقد عصى الله وَلم يحسن أَن يطيعه لِأَن الشِّبَع ثقل على الْبدن وصلابة عَن وَعِيد الله فِي الْقلب وَغلظ فِي الْفَهم وفتور فِي الْأَعْضَاء
فَبَان فضل الْجُوع للاجئين إِلَى الله الَّذين استرهبتهم الْخدمَة بعظيم قدر الْمعرفَة وَالله تَعَالَى مَانع ومعط إِلَّا أَنهم يختارون ذَلِك ورعا وخوفا وتقية من عسر الْحساب فنظروا إِلَى عناء مَا وصل إِلَيْهِم من الْغذَاء من مُؤمن موفق أَو هَدِيَّة صَالِحَة مِمَّن يعْتَقد مكافأته لِأَنَّهُ مستبعد بِأَكْل الْحَلَال
وَهَذَا مَا وَصفنَا فِي الْجُوع وَكله مُحْتَاج إِلَى ورع ليصفوا بذلك طيب المأكل وَالْمشْرَب من مَوضِع مُطلق مُبَاح بِالْإِجْمَاع لَا خلاف فِيهِ
[ ٩٩ ]