-
وَقد ترك الْحَرَكَة فِي الْكسْب أَقوام على أُمُور مُخْتَلفَة وَأَنا واصف بَعْضهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَمن ذَلِك مَا زعم شَقِيق وَاتبعهُ على ذَلِك أَقوام زعم شَقِيق فِيمَا يرْوى عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول إِن الْحَرَكَة فِي الْكسْب مَعْصِيّة
وَذَلِكَ أَنه قَالَ لما ضمن الله تَعَالَى الرزق والكفاية كَانَت الْحَرَكَة شكا فِيمَا ضمن فَحمل الْأَمر فِي ذَلِك على رَأْيه وَقَالَ فِيهِ بزلله فَخَالف الْكتاب وَالسّنة وَمَا عَلَيْهِ أكَابِر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَجلة التَّابِعين من بعدهمْ
وَجلسَ أَقوام تعرضوا للكسب قبل جلوسهم فَلم يُمكنهُم إِقَامَة الْحق فِي كسبهم وَضَاقَتْ عَلَيْهِم المطالب فِي ذَلِك فجلسوا فطعنوا فِي المتكسبين وَجعلُوا ضعفهم عَن الْقيام بِالْحَقِّ فِيمَا جعل الْفضل فِيهِ لأَهله إِذا قَامُوا بأحكامه
وَأخذُوا من كسب المخلطين والمقدمين على الشُّبْهَة وَجعلُوا الْأَخْذ من أهل هَذِه الصّفة أفضل عِنْدهم من التَّحَرِّي فِي المكسب وَأخذ الْأَمر حَتَّى يبلغهم الإجهاد
[ ٤١ ]
فَكَانَ مقامهم فِي ذَلِك مقَام من تنزه عَن شَيْء من كَسبه وَأخذ من كسب غَيره مَا هُوَ أشر مِنْهُ وأخبث فِي الطعمة فغلطوا فِيمَا أقاموه دينا
أما الْحجَّة على شَقِيق وَأَصْحَابه فَمن كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﵇ والنبيين من قبله وَخيَار أَصْحَابه من بعده ﵃
فَأَما الْحجَّة من كتاب الله فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَنْفقُوا من طَيّبَات مَا كسبتم﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ فمدح إقامتهم لذكر الله فِي وَقت التِّجَارَة
وَقَالَ ﷿ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾
فَأَمرهمْ بترك البيع فِي وَقت مَحْدُود يَوْم الْجُمُعَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه﴾
فعلمهم كَيفَ يصنعون فِي متاجرهم وبصرهم فِي مكاسبهم
وَأما الْحجَّة من سنَن رَسُول الله ﷺ فَقَوْل النَّبِي ﷺ
[ ٤٢ ]
(أفضل مَا أكل الرجل من كَسبه)
وَقد ذكرنَا مَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَفِي هَذَا آيَات كَثِيرَة من كتاب الله وأخبار عَن رَسُول الله ﷺ متواترة وَفِي أقل مِمَّا ذكر يتَبَيَّن خطأ هَذِه الْمقَالة
وَأما الْمقَالة الثَّانِيَة فَإِن الْحجَّة عَلَيْهِم فِي ذَلِك أَخذهم الَّذِي تَرَكُوهُ من أَيدي غَيرهم فَإِن كَانَ أَخذهم لذَلِك من أَيدي الأقوياء الَّذين كسبوا الشَّيْء عِنْدهم على حكم كتاب الله ﷿ وَسنة نبيه ﷺ فقد سقط عَنْهُم الْعذر فِي الْقعُود وَعَلَيْهِم طلب الشَّيْء من حَيْثُ طلبه هَؤُلَاءِ
وَإِن كَانَ الْأَمر عِنْدهم لضعف عَن الْقيام بأحكامه غَيرهم فقد أخذُوا مَا تركُوا من أَيدي أَقوام يُمكن عَلَيْهِم التَّعَدِّي فِي الطّلب والتجاوز للحد من الْكسْب
فَأَي الْحَالَتَيْنِ كَانَت حَالهم فَهُوَ خطأ وَالله أعلم
وَجلسَ قوم آخَرُونَ وَزَعَمُوا أَن الْجُلُوس عَن الطّلب أفضل عِنْدهم من الْحَرَكَة
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَن قَالُوا لما ضمن الله لِلْخلقِ أَرْزَاقهم وَتَوَلَّى فِي ذَلِك كفايتهم وَأخْبر بقسم الشَّيْء فِي الْأَوْقَات الَّتِي قدر إيصالها إِلَيْهِم فِيهَا كَانَ انْتِظَار الْوَقْت وَترك الْحَرَكَة أفضل وَكَانَت الْحَرَكَة إِبَاحَة لِضُعَفَاء الْخلق
وَالْحجّة عَلَيْهِم فِي ذَلِك بَيِّنَة بِمَا بَينا من فعل النَّبِي ﷺ وَمَا كَانَ أكَابِر الصَّحَابَة عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ جعل رَسُوله فِي أَعلَى الدَّرَجَات وَأَرْفَع الْمنَازل وَأتم المعارف وأكمل الْعلم وَخَصه من جزيل خصوصيته ورفيع هباته وسني عطاياه مَا بَين بِهِ فَضله على
[ ٤٣ ]
أكبر الْأَوْلِيَاء وَكَذَلِكَ حركاته وَسَائِر أَعماله جعلهَا الله على قدر الْموضع الَّذِي جعله فِيهِ
وَكَانَت أَصْحَابه رضوَان الله عَلَيْهِم على فَضلهمْ وَمَا ذكر من تقدمتهم كَانَت أَعْمَالهم على قدر مواضعهم
وَفِيمَا وَصفنَا من ذَلِك واحتججنا بِهِ مَا يتَبَيَّن مِنْهُ خطأ أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة
وَكَانَ مَا احتجت بِهِ هَذِه الطَّائِفَة الَّتِي زعمت أَن الْقعُود عَن الْحَرَكَة أفضل عِنْدهم وَإِنَّمَا الْحَرَكَة فِي ذَلِك رخصَة لِضُعَفَاء الْخلق عَن الْقعُود حَتَّى يكون الْوَقْت عَلَيْهِم وَأَرَادَ بِمَا فِي أنفسهم فقدموا أنفسهم بخطأ التَّأْوِيل وبزلل الْهوى والرأي على أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وعَلى سيرة الْمُرْسلين وَأَقَامُوا الأكابر مثل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رضوَان الله عَلَيْهِم مقَام الضعْف والوهن تَقْدِيمًا مِنْهُم لأَنْفُسِهِمْ وإيمانا مِنْهُم بخطأ مِنْهُم بِصِحَّة رَأْيهمْ بِلَا خبر عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا آيَة من كتاب الله ﷿
وَهَذَا قَول قد تبين خَطؤُهُ من وُجُوه شَتَّى
فَأَما أَولهَا فَمَا بَين الله ﷿ من ذَلِك فِي كِتَابه فَأمر الْمُؤمنِينَ أَن يكون مَأْكَلهمْ من طَيّبَات مَا يَكْسِبُونَ
وَأما الْمَعْنى الثَّانِي فَمَا ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَن (أطيب مَا أكل الرجل من كَسبه)
وَأما الْوَجْه الثَّالِث فَمَا كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد ﷺ وأكابر أَصْحَابه ﵃
[ ٤٤ ]
وَأما الْوَجْه الرَّابِع فَمَا دلّ عَلَيْهِ الْعلم وَثبتت عَلَيْهِ الْمعرفَة وَذَلِكَ أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ لما دَعَا إِلَى الثِّقَة بِهِ والتوكل عَلَيْهِ بَين الْعلم عَمَّا أَرَادَهُ من ذَلِك وَالَّذِي بَين الْعلم عَنهُ من ذَلِك من معنى الثِّقَة أَن تكون الْقُلُوب لله ﷿ مصدقة وَتَكون بوعده موقنة وَتَكون إِلَيْهِ فِي كل حَال سَاكِنة قد أغناها بضمانه عَن النّظر إِلَى شَيْء دونه
فَإِذا ملك خَاصَّة الْقُلُوب ذَلِك وأقرت بِهِ الْأَلْسِنَة وحذره الْعلم بِاللَّه تَعَالَى والمعرفة بِهِ جلّ وَعز من أَن يمِيل إِلَى شَيْء دونه فأمنت الْقُلُوب فِي التَّوَكُّل فِي حَقِيقَة من حقائقه وَفِي مقَام شرِيف من مقاماته
فَإِن أوجدها الله جلّ ثَنَاؤُهُ فضلا مِنْهُ فِي سعي جارحه أَو دلها الرَّسُول ﷺ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا إِلَى الله تَعَالَى مقربة وَفِي حَال السَّعْي بسعيها زَائِدَة بِمَا تعبدت بِهِ أَو ندبت إِلَيْهِ أسرعت إِلَى ذَلِك لما ملكهَا من مُوَافقَة سَيِّدهَا وَجل عِنْدهَا من قدر مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِمَّا يقرب مِنْهُ فَكَانَ السَّعْي عَن تمكن الرَّغْبَة فِي الطَّاعَة الجامعة للقلوب من غير سآمة مِنْهَا لما شَمل فاقتها من خَالص الموهبة وجزيل سناء الخصوصية وَكَانَ السَّعْي فِي ذَلِك لصفاء مَا فِي الْقُلُوب من تمكن السكينَة وحقائق الثِّقَة
وَكَانَت الْقُلُوب بسعي الْجَوَارِح فِي ذَلِك زَائِدَة بسعيها متمكنة فِي مرتبتها وَلَا ينقص السَّعْي عَلَيْهَا حَالهَا وَلَا يجرها ذَلِك إِلَّا إِلَى مَا يقْدَح فِي ذكرهَا فَكَانَ هَذَا السَّعْي على مَا وَصفنَا زَائِدَة لَهَا فِي مواصلتها فِي الْقرب إِلَى علو الدَّرَجَات فِي قربهَا وَكَانَ السَّعْي على مَا بَين الله وَرَسُوله من فضل السَّعْي على مَا وَصفنَا مِمَّا افْترض على الْخلق وندبوا إِلَيْهِ على مَعَاني
أَحدهَا أَن يكون السَّعْي بالجوارح بَعْدَمَا وَصفنَا من قيام الثِّقَة فِي الْقُلُوب وَتمكن السكينَة منغصا عَلَيْهَا حَال الْقلب موجدا لَهَا النُّزُول عَن مرتبتها فَيكون تَركهَا للسعي لما تَجِد من النَّقْص
فَهَذِهِ حَال دون حَال الأقوياء الَّذين سعوا فِي ذَلِك وهم يَجدونَ
[ ٤٥ ]
فِي ذَلِك الزِّيَادَات والتعالي فِي الْحَالَات وَهَذَا ضعف بَين فِي الْحَال
وَإِمَّا أَن يكون مَا وَصفنَا من حَال الْقُلُوب ثَابتا وهم فِيهِ متمكنون وَالسَّعْي زَائِد لَهُم فِي أَحْوَالهم فَيكون التّرْك لَهُم بذلك لِأَن حَال الْفضل فيهم لم تثبت عِنْدهم وَحَال الْقرْبَة فِي ذَلِك لم تبلغهم
فَهَذَا تَقْصِير فِي الْعلم
أَو تكون الْحَال قد ثبتَتْ عِنْدهم وَالْعلم بِالْفَضْلِ فِي السَّعْي قد بَلغهُمْ وهم يؤثرون الْقعُود
فَهَذَا حَال تكلّف وَخلاف لما بَين الله تَعَالَى من الْفضل وَدلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَكَانَ عَلَيْهِ أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ وَمَا بَينه الْعلم ودلت عَلَيْهِ الْمعرفَة
فقد تبين فضل السَّعْي وَالْحَرَكَة على مَا وَصفنَا وَهِي أَعلَى الدَّرَجَات فِي كل حَال عندنَا وَالله أعلم
فَإِذا أردْت أَن تَأتي سوقك أَو شَيْئا لمعاشك أَو صَنْعَة أَو وكَالَة أَو غير ذَلِك لطلب الْحَلَال والاتباع لسنة رَسُول الله ﷺ وللثواب فِي نَفسك وَعِيَالك والاكتساب عَلَيْهِم والاستغناء عَن النَّاس والتعطف على الْأَخ وَالْجَار وَأَدَاء الزَّكَاة وكل حق وَاجِب فأمل فِي ذَلِك أَن تلقى الله ﷿ ووجهك كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر
كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من طلب حَلَالا استعفافا عَن الْمَسْأَلَة وكدا على عِيَاله وتعطفا على جَاره لَقِي الله وَوَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر)
وتنوي الْوَرع فِي سوقك وَأَن تدع كل ربح أَو أجر أَو إِصَابَة تعرض لَك فِيهِ وَلَو كَانَت الدُّنْيَا كلهَا إِن عرض لَك فِيهَا مَا كره الله تَعَالَى
[ ٤٦ ]
وتنوي الْإِخْلَاص فِي ورعك فِي تجارتك وَمن تشتري مِنْهُ أَو تعامله فِي صَنْعَة أَو وكَالَة
وتنوي عون الْمُسلم فِي تجارتك إِذا اسْتَعَانَ بجاهل أَو بنصرك أَو غير ذَلِك
وَأَن تذكر الله تَعَالَى فِي سوقك محتسبا كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث (إِن الله ﷿ تعجب من الَّذِي يذكرهُ فِي السُّوق)
[ ٤٧ ]