-
قلت رَحِمك الله مَا الْوَرع
قَالَ المجانبة لكل مَا كره الله ﷿ من مقَال أَو فعل بقلب أَو جارحة والحذر من تَضْييع مَا فرض الله ﷿ عَلَيْهِ فِي قلب أَو جارحة
قلت وبماذا ينَال قَالَ بالمحاسبة قلت وَمَا المحاسبة قَالَ التثبت فِي جَمِيع الْأَحْوَال قبل الْفِعْل وَالتّرْك من العقد بالضمير أَو الْفِعْل بالجارحة حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ مَا يتْرك وَمَا يفعل فَإِن تبين لَهُ مَا كره الله ﷿ جَانِبه بِعقد ضمير قلبه وكف جوارحه عَمَّا كره الله ﷿ وَمنع نَفسه من الْإِمْسَاك عَن ترك الْفَرْض وسارع إِلَى أَدَائِهِ
قلت وَمَا يتْرك وَمَا يجانب قَالَ أَرْبَعَة أَشْيَاء شَيْئَانِ وَاجِب تَركهمَا وشيئان ترك أَحدهمَا اسْتِبْرَاء خوف أَن
[ ٥١ ]
يكون مِمَّا كره الله ﷿ وَالْآخر يتْرك احْتِيَاطًا وتحرزا
فَأَما الشيئان الْوَاجِب تَركهمَا
فأحدهما مَا نهى الله ﷿ من العقد بِالْقَلْبِ على الضلال والبدع والغلو فِي القَوْل عَلَيْهِ بِغَيْر الْحق وَلَا يعْتَقد إِلَّا الصَّوَاب
وَالْآخر مَا نهى الله ﷿ عَنهُ من الْأَخْذ وَالتّرْك من الْحَرَام بالضمير والجوارح
وَأما أحد الشَّيْئَيْنِ الآخرين فَترك الشُّبُهَات خوف مواقعة الْحَرَام وَهُوَ لَا يعلم اسْتِبْرَاء لذمته لتَمام الْوَرع كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ (من ترك الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لذمته وَدينه وَعرضه من وَاقع الشُّبُهَات فَكَأَنَّمَا وَاقع الْحَرَام)
وَقَالَ زَكَرِيَّا عَن الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان عَن النَّبِي ﷺ زَاد عَلَيْهِ غَيره فَقَالَ النَّبِي ﷺ (فقد وَاقع الْحَرَام كَالرَّاعِي حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ)
وَأما الشَّيْء الرَّابِع فَترك بعض الْحَلَال الَّذِي يخَاف أَن يكون سَببا وذريعة إِلَى الْحَرَام كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا يكون العَبْد من الْمُتَّقِينَ حَتَّى يدع مَا لَا بَأْس بِهِ حذرا لما بِهِ بَأْس)
وَذَلِكَ كتركه فضول الْكَلَام لِئَلَّا يُخرجهُ ذَلِك إِلَى الْكَذِب والغيبة وَغَيرهمَا مِمَّا حرم الله تَعَالَى القَوْل بِهِ وَيتْرك بعض المكاسب مِمَّا تقل
[ ٥٢ ]
فِيهِ السَّلامَة للمكتسبين ويدع طلب الْإِكْثَار من المَال خوفًا أَلا يقوم بِحَق الله جلّ وَعز فِيهِ إِذا عزت فِيهِ أَسبَاب الْحَلَال وَقل الْعَامِلُونَ بالورع وَالتَّقوى وَترك مجالسة من قد جرب أَنه لَا يسلم مَعَه وفراره من الشُّبْهَة خوفًا أَلا يسلم ويقل من معرفَة النَّاس خوفًا أَلا يسلم ويغض عَن بعض الْمطعم إِذا أحس من نَفسه أَن ذَلِك يبطرها
فَهَذِهِ الْخلَّة عون على الْوَرع لَا وَاجِب عَلَيْهَا تَركهَا ومجانبتها
وكما قَالَ عون بن عبد الله قَالَ بعض الْحُكَمَاء دع أَن تحلف صَادِقا وَهُوَ لَك حَلَال مَخَافَة أَن تعود لسَانك الْيَمين فتحلف كَاذِبًا ودع النُّصْرَة مِمَّن ظلمك مَخَافَة أَن تعتذر
وَقَالَ الله ﷿ ﴿وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ فقد سمى الْعَفو حَسَنَة والنصرة للنَّفس سَيِّئَة فَمَا زَالَت التَّقْوَى بالمتقين حَتَّى تركُوا الْكثير من الْحَلَال مَخَافَة الْحَرَام
وَأهْدى رجل لِابْنِ عمر أثوابا مروية فَردهَا وَقَالَ مَا رددناها عَلَيْك إِلَّا مَخَافَة الْكبر
وَكَانَ ابْن عمر ﵁ يسْرع الْمَشْي وَيَقُول هُوَ أبعد لي من الزهو
وَعمر ﵁ طلق امْرَأَته وَكَانَت أحب النَّاس إِلَيْهِ حِين ولي الْخلَافَة مَخَافَة أَن يطيعها فِي غير الْعدْل فَلَمَّا قواه الله ﷿ أرسل يخطبها فَوَجَدَهَا الرَّسُول قد مَاتَت وَغير ذَلِك تركنَا ذكره لكثرته
وَاعْلَم أَن أصل أمورك كلهَا وتمامها وَالَّذِي يرْتَفع بِهِ الْعَمَل ويزكو هُوَ أصلان
[ ٥٣ ]
أَحدهمَا سَلامَة الصَّدْر لجَمِيع الْمُسلمين
وَالثَّانِي إصْلَاح الكسرة والمعرفة من أَيْن قرصتك
والْآثَار فِي تَصْحِيح هذَيْن الْأَصْلَيْنِ تروى من طرق شَتَّى كَثِيرَة وَلَكِن أردنَا الِاخْتِصَار فتجار هَذَا الزَّمَان كَأَنَّهُمْ لَا يُؤمنُونَ بِيَوْم الْحساب من الدُّخُول فِي كل مَا لَا يجوز والتسارع إِلَى كل مأثم وَإِلَى كل مَا لَا يجوز من المكاسب وَترك مَا تعهدوا بِهِ وركوب مَا نهوا عَنهُ لَا يتورعون عَن مكاسب أَمْوَال الظَّالِمين وَلَا يجانبون أهل الرِّيَاء وَلَا أهل قطع الطَّرِيق وَالسَّلب
وَلَو قيل لَهُم هَل لكم فِي الدُّنْيَا حَرَامًا وتعذبون عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة وتنغص عَلَيْكُم عيشتكم فِي الدُّنْيَا بالهموم وَالْأَحْزَان والآلام بعد أَن تَكُونُوا مكثرين مِنْهَا لرضوا بعد أَن تكون الدُّنْيَا عَلَيْهِم موسعة إِلَّا من شَاءَ الله مِنْهُم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
فَإِذا رَأَوْا رجلا ترك مَا أَقبلُوا عَلَيْهِ من هَذِه الْفُنُون توجوه وأكرموه وَهَذَا فعل الْعُقَلَاء مِنْهُم وَأما الحمقاء فَإِنَّهُم يزدرونه ويؤنبونه
وَإِذا مدحه أهل الْعقل مِنْهُم وَرفعُوا قدره أحب الثَّنَاء فَهَلَك وَهُوَ لَا يعلم
فَكُن حذرا متيقظا فِي جَمِيع أمورك واستعن بِاللَّه فِي طلب السَّلامَة واسأل الله الْعَافِيَة من فتنته وبليته
وَقَالَ ثَلَاث خلال تلزمها قَلْبك
الْخلَّة الأولى الْيَقِين بِأَن الْمَقْدُور يَأْتِيك وَإِن لم يقدر لَا يَأْتِي فَمن أَيقَن بذلك أورث الله جلّ وَعز قلبه خَصْلَتَيْنِ
[ ٥٤ ]
إِحْدَاهمَا أَن يَأْمَن قلبه من أَن يفوتهُ مَا قدر لَهُ
وَالثَّانيَِة أَن ييأس من أَن ينَال مَا لم يقدر لَهُ
فَمن لزم قلبه الْأَمْن أَلا يفوتهُ رزقه وَإِلَّا يأس من أَن ينَال مَا لم يقدر لَهُ قل همه وغمه وخضوعه لِلْخلقِ والمدارة لَهُم لِأَن ينَال بهم مَنْفَعَة فَهَذَا الْغنى بِاللَّه ﷿
والخلة الثَّانِيَة ذكر اطلَاع الله ﷿ على ضَمِيره وجوارحه فَإِن ذَلِك يُورث لَهُ الْحيَاء
فَإِذا عرض لَهُ شَيْء مِمَّا يكره الله ﷿ ذكر النّظر وَخَافَ المقت إِن ركن إِلَى ذَلِك
وَإِن عرض لَهُ مَا فِيهِ النَّقْص وَإِن لم يكن محرما استحيى من الله تَعَالَى أَن يرَاهُ مقصرا عَمَّا يحب مَوْلَاهُ مَعَ مَا قد استودعه من الْعلم وعرفه من عَظِيم قدره وكبرياء جَلَاله جلّ وَعز
وَجُمْلَة ذَلِك أَن تَغْدُو إِلَى سوقك وَأَن تكون فِي جَمِيع أحوالك فِي سوق كنت أَو فِي غَيرهَا فتلزم قَلْبك الْيَقِين والحذر وتذكر الِاطِّلَاع بِالنّظرِ
فباليقين تستريح وبالحذر تتيقظ وبذكر النّظر تستحيي من النَّاظر الْأَعْلَى ﵎
[ ٥٥ ]