-
وَاخْتلفت النَّاس فِي معنى الشُّبْهَة
فَقَالَت طَائِفَة إِنَّمَا هُوَ الْحَلَال أَو الْحَرَام الَّذِي هُوَ ضد الْحَلَال وَلَا منزلَة ثَالِثَة إِلَّا مَا حذر النَّبِي ﷺ مِنْهُ فَقَالَ (لَا تقربُوا أَو تدنوا من الْحَرَام)
فَسُمي ذَلِك شُبْهَة كَالَّذي يرتع حول الْحمى يُوشك أَن يَقع فِيهِ قَالُوا فخارج الْحمى حَلَال وداخله حرَام
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة سَاقِطَة وَذَلِكَ أَن علمهَا غير مفترض لقَوْل النَّبِي ﷺ (لَا يعلمهَا كثير من النَّاس)
وَإِنَّمَا اتَّقوا الْعَمَل بِالشُّبْهَةِ مَخَافَة التَّزْكِيَة بِأَن يَكُونُوا من أُولَئِكَ الْقَلِيل الَّذين يعلمونها
وَقَالَت طَائِفَة الْعَمَل بذلك وَاجِب ليطيب للمرء منكحه ومطعمه ومشربه وملبسه وشراؤه وَبيعه وَهُوَ متعبد يَأْكُل الْحَلَال وإمضائه
قَالُوا والشبهة هِيَ مَا لم يعرف أحلال بِعَيْنِه أم حرَام وَالْوُقُوف فِي هَذَا الْموضع فرض
وَقَالَت طَائِفَة لَيْسَ علمهَا بِفَرْض وَيَأْكُل مِنْهَا لِأَنَّهُ فِيهَا حَلَالا
[ ٧٥ ]
وَإِنَّمَا كَانَ أكله من الْحَلَال
وَقَالَت طَائِفَة التَّحَرُّز من ذَلِك أفضل فَإِذا وجد السَّبِيل إِلَى غَيره لم يحل لَهُ أكل الشُّبْهَة وَهُوَ يجد الْحَلَال الْمُطلق الْمُبَاح
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة لَيست تعلم فِي الْأَمْوَال لِأَن المَال لَا يعلم إِلَّا حَلَالا أَو حَرَامًا وَإِذا اخْتَلَط دِينَار بِعشْرَة دَنَانِير أَو مائَة دِينَار فِي ألف وَكَذَلِكَ الْوَرق فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَن يخرج دِينَارا أَو درهما إِذْ لَا يُمكنهُ أَن يخرج ذَلِك الدِّينَار بِعَيْنِه وَدِرْهَم مَكَان دِرْهَم ودينار مَكَان دِينَار جَائِز بِاتِّفَاق الْفُقَهَاء
وَقد ذهبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَو خلط دِينَارا من غصب أَو ظلم ومازجه دِينَار آخر حَلَال فاكتسب بهما فربح عَلَيْهِمَا فَلهُ نصف ذَلِك الرِّبْح وَيرد على من اغتصبه أَو ظلمه ذَلِك الدِّينَار وَمَا ربح عَلَيْهِ
فَإِن كَانَ ذَلِك الدِّينَار مغمورا فِي مائَة دِينَار فَلهُ بقسط ذَلِك يُؤَدِّيه إِلَى من ظلمه أَو إِلَى وَارِث من ظلمه أَو يتَصَدَّق بِهِ على الْمَسَاكِين إِن لم يجده
وَقَالَت طَائِفَة وَأكْثر الْفُقَهَاء لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا مَا ضمن وَهَذَا الدِّينَار فِي ضَمَانه
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة مَا كَانَ أَكْثَرهَا حَلَالا وَإِنَّمَا اعْترض عَلَيْهَا فَدخل فِيهَا مَا يظْهر أَنه حرَام فَهُوَ يَأْكُل من الشُّبْهَة أبدا الْعلَّة مَا غلب من الْحَلَال
وَقَالَت طَائِفَة الشُّبْهَة الَّتِي أَمر النَّبِي ﷺ عدي بن حَاتِم حِين قَالَ لَهُ أرسل كَلْبِي على الصَّيْد فأجده وَقد اخْتَلَط مَعَه كلاب فَأمره عَلَيْهِ
[ ٧٦ ]
السَّلَام أَلا يَأْكُل فَلَعَلَّهُ قَتله غير كَلْبه وَكَذَلِكَ إِذا رمى صيدا وَرمى غَيره فَلَا يدْرِي أَي الرميتين قتلته بالذكاة أَو غير الذَّكَاة وَكَذَلِكَ الصَّيْد يتردى من جبل أَو يهوي فِي بِئْر فَلَا يدرى بِأَيِّهِمَا كَانَ قَتله وَكَذَلِكَ الرجل يُطلق إِحْدَى امرأتيه فَلَا يدرى أَيَّتهمَا طلق أَو يعْتق أحد عبديه فَلَا يدرى أَيهمَا أعتق فالوقوف هَا هُنَا والورع وَاجِب
وَقَالَت فرقة الشُّبْهَة فِي الْأَمْوَال وَالنِّكَاح غير ذَلِك لِأَن النَّبِي ﷺ خاطبهم بِالشُّبْهَةِ وهم يعلمُونَ ذَلِك
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر عَن الشّعبِيّ عَن النُّعْمَان بن بشير رَوَاهُ زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ومغيرة وَأَبُو السّفر وَمُجاهد ومطرف فِي جمَاعَة سواهُم عَن الشّعبِيّ وَرُوِيَ عَن ابْن عمر وَجَابِر ﵄ نَحْو مَا قَالَه النُّعْمَان بن بشير
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود حِين أَكثر النَّاس عَلَيْهِ يسألونه فَقَالَ الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا شُبُهَات
وَقَالَ ابْن عمر دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك
وَقَالَ ابْن مَسْعُود الْإِثْم مَا حاك حول الْقُلُوب
مَعَ مَا قد رُوِيَ عَن الْمُصْطَفى ﷺ أَنه قَالَ فِي التمرة الملقاة (لَوْلَا أَنِّي أخْشَى أَن تكون من تمر الصَّدَقَة لأكلتها)
وَنهى عدي بن حَاتِم عَن أكل الصَّيْد إِذا اخْتلطت الْكلاب المعلمة وَغَيرهَا
وَقَالَ ﷺ فِي قصَّة عتبَة وَعبد بن زَمعَة فَقَالَ عبد بن زَمعَة هُوَ أخي ولد على فرَاش أبي فَقَالَ (هُوَ لَك يَا عبد الْوَلَد
[ ٧٧ ]
للْفراش وللعاهر الْحجر واحتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة) للشبه الَّذِي رأى ﵇ لِأَنَّهُ رأى شبها بَينا بِعَيْنيهِ
وَنهى ﷺ عَن كسب الْأمة حَتَّى يعلم من أَيْن كسبت
وَأمر محيصة حِين سَأَلَهُ عَن كسب غُلَامه الْحجام أَن يطعمهُ الرَّقِيق ويعلف مِنْهُ الناضح
وَاخْتلف النَّاس فِيهِ فَقَالَت طَائِفَة كسب الْحجام خَبِيث لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِي الحَدِيث أَنه سحت
وَنهى النَّبِي ﷺ محيصة أَن يَأْكُل من كسب الْحجام
وَقَالَت طَائِفَة كسب الْحجام حَلَال وَاحْتَجُّوا بِابْن عَبَّاس وَأنس بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ أعْطى الْحجام وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يُعْطه
وَقد ذهبت طَائِفَة إِلَى تَأْوِيل حَدِيث محيصة بِأَن المكاسب بَعْضهَا أطيب من بعض وَأَعْلَى وفيهَا أدنى من بعض والمستنصح إِذا فزع إِلَى الناصح أَجَابَهُ بِالنَّصِيحَةِ فَأمر النَّبِي ﷺ محيصة بالتنزه عَنهُ حِين وجده فَقَالَ (أما أَنْت فَلَا تَأْكُل وَلَكِن أطْعمهُ الرَّقِيق) وَلم يكن يُبِيح لَهُم إطْعَام الرَّقِيق من حرَام
[ ٧٨ ]