-
وَقد تكلم طوائف من الْفرق بمذاهب فِي المجانية وصفاء الْمطعم والملبس يَخْتَلِفُونَ ويتقاربون
فَمنهمْ من اخْتَار الْعُزْلَة عَن الْأَئِمَّة وَالسُّلْطَان وأعوانهم بأعيانهم
وَفرْقَة قد جانبت كل من اتَّصل بهم وَهَذِه الطَّائِفَة عِنْد جمَاعَة من الْعلمَاء ركبت الغلو فِي الدّين
وَطَائِفَة اعتزلت الْفرق واحتجت بِمَا حَدثنَا بِهِ عُثْمَان بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ سَمِعت أَبَا التياح يخبر عَن أبي زرْعَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ (هَلَاك أمتِي على أَيدي أغلمة من قُرَيْش) قَالَ قَائِل يَا رَسُول الله مِمَّا تَأْمُرنَا لَو قد وَردت علينا قَالَ (لَو أَن النَّاس اعتزلوهم)
وروى جمَاعَة عَن الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن بسر بن عبد الله عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن حُذَيْفَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله إِن أدركني رفاق لَيْسَ لَهُ إِمَام وَلَا جمَاعَة قَالَ (فاعتزل تِلْكَ الْفرق حَتَّى تَمُوت على ذَلِك)
[ ٦٧ ]
وَقَالَ النَّبِي ﷺ للْأَنْصَار (أَنكُمْ سَتَرَوْنَ بعدِي فتنا وأثرة فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي على الْحَوْض)
وَقَالَ ﵇ لأبي ذَر حَيْثُ قَالَ لَهُ كَيفَ أَنْت إِذا رَأَيْت حِجَارَة الزَّيْت قد غرقت فِي الدَّم (اصبر حَتَّى تلْحق بِمن أَنْت مَعَه)
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا كَثِيرَة
وَأما الأكياس فَإِنَّهُم أخذُوا الْقُوت قصدا ورفضوا مَا سوى ذَلِك وَقد كَانَ الْأَوْزَاعِيّ يَقُول اشتبهت الْأُمُور فَلَيْسَ نَأْخُذ غير الْقُوت
وَقَالَ الْحسن إِن المكاسب قد فَسدتْ خُذُوا مِنْهَا الْقُوت
وَقَالَ أَبُو وَائِل ومسروق إِن أهل بَيت الْكُوفَة يُوجد على مائدتهم رغيف من حَلَال لأهل بَيت غرباء
وَيُقَال إِن الله ﷿ ليحجب الدُّعَاء بالطعمة أَو بالكسرة يأكلها الْمَرْء من غير حلهَا
وَفِي إِجْمَاعهم من طَابَ مطعمه صفت أَعماله واستجيبت دَعوته ثمَّ قصدت طوائف من الْقُرَّاء والمتصوفة والنساك إِلَى مَذَاهِب فِي الْكسْب فطائفة اخْتَارَتْ الْمُبَاح من الْجبَال والأودية والرمال من ورق الأثل ولقط الْبذر والحشائش الَّتِي لَهَا ثمن إِذا ادخرت فَجمعُوا مِنْهَا لصيفهم فِي شتائهم
[ ٦٨ ]
وَطَائِفَة اخْتَارَتْ مَا ألقته الرِّيَاح وَمَا ظهر من الْحَشِيش والكلأ على وَجه الأَرْض من كلأ الصَّحرَاء إِذا اشْتَدَّ بهم الْجُوع
وَطَائِفَة اخْتَارَتْ المنبوذ الْمَطْرُوح الملقي وَاحْتَجُّوا لذَلِك بِمَا رَوَاهُ هِشَام عَن قَتَادَة أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يهوي إِلَى التمرة الملقاة فلولا أَنه يخْشَى أَن تكون من تمر الصَّدَقَة لأخذها وَأَن أَبَا أُمَامَة أَخذ كسرة من مَسْجِد حمص فَأكلهَا
وَكَانَ أويس الْقَرنِي يَأْخُذ الشَّيْء من الْمَزَابِل وَغَيرهَا
وَطَائِفَة اخْتَارَتْ الْمَسْأَلَة لأخذ الْقُوت مِنْهَا كَمَا سَأَلَ الْخضر مُوسَى ﵉ عِنْد الْحَاجة وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي ﷺ (رب أَشْعَث أغبر ذِي طمرين يدْفع بالأبواب لَو أقسم على الله لَأَبَره) وَذَلِكَ حِين اشتدت عَلَيْهِم مَذَاهِب إحْيَاء الْحَلَال وخافوا من الْوُقُوع فِي الْحَرَام
وَطَائِفَة بالثغر ونواحي الشَّام اخْتَارَتْ ان تجمع من اللقاط خلف الحصادين من الْقَمْح وَالشعِير وَترى أَن ذَلِك دَلِيل قَاصِر بتتبع الحصادين فَالَّذِينَ لَا يَشكونَ فِي أَنه حَلَال لَيْسَ يَنْبَغِي قَوْلهم فِي عصرنا هَذَا
وَطَائِفَة مِنْهُم تجنبت اللقاط وَرَاء الحصادين فِي أَرض اشْتريت بِمَال الظَّالِمين أَو من خطّ قطائع اختطها السُّلْطَان لأوليائه وَمن القبالات من الْأَرْضين الَّتِي أخرج أَهلهَا مِنْهَا
وَطَائِفَة فتشت الْوَرع فَاخْتَارَتْ كد الْيَد أَو ضرب السَّيْف فِي سَبِيل الله على اللقاط والحصاد وَقَالُوا لَيْسَ للقاط أصل مُتَقَدم فِي
[ ٦٩ ]
عهد الْأَئِمَّة الماضيين وهم على ذَلِك يجمعُونَ على أَن ضرب السَّيْف تَحت كل راية مَعَ كل أَمِير بر أَو فَاجر مَاض فِي كل عصر وَفِي كل زمَان لَا يتَخَلَّف عَن ذَلِك إِلَّا مُخطئ أَو جَاهِل وَطَائِفَة اخْتَارَتْ الرِّبَاط إِلَّا أَن يكون لأهل الْإِسْلَام حَاجَة من إِظْهَار الْعَدو وطلبهم ودخولهم إِلَى دَار الْإِسْلَام فأوجبوا ضرب السَّيْف فِي هَذَا الْحَال حَتَّى إِذا استغنت الْأمة عَن ذَلِك رجعُوا إِلَى مَا اعتقدوه من الرِّبَاط وَاحْتَجُّوا بِأَن ذَلِك فِي آخر الزَّمَان أفضل وَرووا فِي ذَلِك أَحَادِيث واستعملوا لَهَا مقاييس وَهَذِه الطَّائِفَة غلطها كثير
وَأكْثر الْعلمَاء والأغلب فِي جَمِيع الْأَمْصَار يرَوْنَ الْغَزْو وَالْحج وَالشِّرَاء وَالْبيع والمعاملات والوكالات والصنائع مَاضِيَة أبدا مذ كَانَ أول الْإِسْلَام إِلَى آخر عِصَابَة يُقَاتلُون الدَّجَّال لَا يضر المتقي الْحَافِظ لدينِهِ جور جَائِر وَلَا ظلم ظَالِم إِذا مَكَان فَقِيها متخلصا فِي تِجَارَته وصنعته يكابد أَن يسلم من أكل الشُّبْهَة وَغير ذَلِك يجاهده بِالنَّفَقَةِ
والمكاسب لَا تفْسد بجور الْأَئِمَّة إِنَّمَا تفْسد بترك اسْتِعْمَال الْفِقْه وَالْعلم
وَقد تقدم فِي صدر هَذِه الْأمة من الْفِتَن وَالِاخْتِلَاف والتفرق وَالنَّاس يشْتَرونَ ويبيعون وَقد قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان ظلما وعدوانا وَالنَّاس يتجرون فِي تجاراتهم بِالْمَدِينَةِ وَغَيرهَا وفتنة الْجمل وصفين وَابْن الزبير وَالْعراق والجماجم بِالْبَصْرَةِ والكوفة وَفِي جَمِيع الْعرَاق وخارجها ونواحي الْأَطْرَاف وَالنَّاس يشْتَرونَ ويبيعون
وَبعد فتْنَة مُحَمَّد الْأمين والمأمون الَّتِي قَامَت بِالشَّام ثَمَانِي عشرَة سنة وبالعراق أَربع سِنِين وَفِي سَائِر الْبِلَاد أَيْضا وَالْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء فِي كل بلد والمحدثون يَوْمئِذٍ متوافرون وَالنَّاس يبيعون ويشترون لَا يُنكر ذَلِك
[ ٧٠ ]
أحد مِمَّن علمناه إِلَّا رجلَيْنِ هما عِنْد الْأمة مخبطين عبد الله بن يزِيد وَعَبْدك الصوفيين فَإِنَّهُمَا أفسدا وحرما الْكسْب وأبت الْأمة إِلَّا خلاف مَا قَالَا
ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي الْمِيرَاث يكون الرجل يَرث المَال وَأَبوهُ ظَالِم أَو جَائِر فِي ولَايَته أَو خالط مَاله غصب أَو مزج حَلَالا بِحرَام
فَقَالَت طَائِفَة من المتفقهة الْمِيرَاث لَهُ حَلَال والوزر على من اكْتسب المَال وَقد طَابَ هَذَا المَال لوراثه
وَقَالَت طَائِفَة يحْتَاط فِي هَذَا المَال فَإِن كَانَ يعلم أَن أَبَاهُ كَانَ لَهُ مَال قبل أَن يخالط مَاله الظُّلم أخرج مِنْهُ مَا يعلم أَنه قد زَاد فِي مَال أَبِيه
وَقَالَت طَائِفَة من الْقُرَّاء والمتصوفة انتحلت رَأْي سُفْيَان الثَّوْريّ وجعلن دينا الْخُرُوج من كُله احْتِيَاطًا لدينِهِ
وَقد روى غير وَاحِد أَن أَبَاهُ قد ظلم فَعرف أُولَئِكَ المظلومين فَأدى إِلَيْهِم مظالمهم وساعدهم على ذَلِك أهل الْفِقْه وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك بن أنس وَبِه أفتى أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَعبد الله بن إِدْرِيس
[ ٧١ ]