-
سَأَلت أَبَا جَعْفَر عَن الْوَرع فَقَالَ فِيهِ ثَلَاثَة أقاويل
أَحدهمَا ترك مَا حاك فِي الصُّدُور من جَمِيع الحكايات وَالْقَوْل
وَالثَّانِي الْوُقُوف عِنْد كل شُبْهَة إِذا لم يتَبَيَّن فِيهَا الْحَلَال من الْحَرَام
وَالْقَوْل الثَّالِث مَا رَوَاهُ عَطِيَّة السَّعْدِيّ عَن النَّبِي ﷺ (تكون حَقِيقَة من الْمُتَّقِينَ حَتَّى تدع مَا لَا بَأْس بِهِ مَخَافَة مَا بِهِ الْبَأْس)
وَهَذِه الثَّلَاثَة الْأَقَاوِيل قد قصد إِلَيْهَا وَإِلَى مَعَانِيه أَصْنَاف من الْعلمَاء وَأهل الحَدِيث والقراء والمتصوفة
فَأَما ترك مَا حاك فِي الصُّدُور فَهُوَ مَذْهَب أبي عبد الله سُفْيَان بن سعيد بن مَسْرُوق بن مُنْذر الثَّوْريّ وَإِبْرَاهِيم بن أدهم ووهيب بن
[ ٥٩ ]
الْورْد وَمُحَمّد بن يُوسُف الْأَصْبَهَانِيّ ويوسف بن أَسْبَاط وَعبد الله بن الْوَلِيد الْمدنِي وَشُعَيْب بن حَرْب
وَالْقَوْل الثَّانِي يذهب إِلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث وناس صلحاء مِمَّن سكن الثغر مِنْهُم مخلد بن الْحُسَيْن وَعلي بن بكار وَقد رَوَاهُ عَن الْأَوْزَاعِيّ وَيُقَال أَنه فتيا ابْن الْمُبَارك بِالْمصِّيصَةِ وَمذهب طوائف من أهل الْبَصْرَة وَقد ذكر ذَلِك عَن عبد الله بن دَاوُد وَهُوَ مَذْهَب مُحَمَّد بن مقَاتل بعبادان وَكثير من المتفقهة فِي سَائِر الْأَمْصَار
وَالْقَوْل الثَّالِث قد ذكر عَن طَاوس وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَيوب وَابْن عون وَيُونُس بن عبيد وواصل مولى ابْن عُيَيْنَة
[ ٦٠ ]
وَهُوَ مَذْهَب عَمْرو بن مرّة وَقد ذهبت إِلَيْهِ أنَاس بأطراف الثغور فَلم يَأْخُذُوا مِنْهَا شَيْئا لَا من حلالها وَلَا من حرامها وَلَا من شبهاتها إِلَّا خرقا تستر الْعَوْرَة وفلقا تسد الجوعة
ثمَّ تَفَرَّقت بهم الطّرق للآخرة فِي اخْتِيَار المآكل والملابس
فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى الرُّخْصَة وَرَأَتْ طَرِيق الْفقر والتقلل فِيمَا لم يكن حَرَامًا إِمَّا نصا فِي التَّنْزِيل وَإِمَّا ثَابتا فِي سنة رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع الْمُسلمين وصاروا إِلَى الرُّخْصَة فِيهِ
واختارت طَائِفَة من الْقُرَّاء والمتصوفة التقلل من كد الْيَد وعرق الجبين وَالسَّعْي فِي طلب الْأَسْبَاب ليأخذوا الكسرة واجتهدوا فِي طلب ذَلِك مَعَ أهل الثغور خوفًا أَن يَكُونُوا من أعوان الظَّالِمين
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بآيَات من التَّنْزِيل مِنْهَا قَوْله ﷿ ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾
وأخبار الْمُصْطَفى ﷺ (فَمن أعانهم وَصدقهمْ فلست مِنْهُ وَلم يرد على الْحَوْض)
وَذَهَبت طَائِفَة من أهل الْفِقْه إِلَى أَنه لَا بَأْس بمعاونتهم إِذا لم يكن ظلما بِعَيْنِه وَذَلِكَ أَنهم تأولوا الحَدِيث على معنى من أعانهم على ظلمهم فَمن لم يُعِنْهُمْ على الظُّلم وَأَعَانَهُمْ على سوى ذَلِك فَهُوَ مُطلق حَلَال عِنْدهم
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى ترك المعونة لَهُم والمباينة لَهُم وَاحْتَجُّوا بأخبار كَثِيرَة فِي المباينة
من ذَلِك حَدِيث النَّبِي ﷺ (لعنت الْخمر وبائعها ومبتاعها
[ ٦١ ]
وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنهَا)
وَاحْتَجُّوا بِأَن سعد أحرق كرمه وَقَالَ بئس الشَّيْخ أَنا إِن أَنا بِعْت الْخمْرَة
وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا عَن كَلَامهم وَعَن مُبَايَعَتهمْ وَأمرهمْ أَن يعتزلوا نِسَاءَهُمْ وَلم يكن التَّخَلُّف مِنْهُم على نفاق وَإِنَّمَا كَانَ ذَنبا حَتَّى أنزل الله جلّ وَعز تَوْبَتهمْ
وَقَالَت فرقة المعونة لَهُم حرَام فِي كل مَكَان لَهُم فِيهِ مَنْفَعَة وَهُوَ مَذْهَب طَائِفَة من المتصوفة مَعَهم جهل كَبِير وغلظة
وَقَالَت طَائِفَة بيع السِّلَاح والكراع مِنْهُم مَعْصِيّة وَمَا سوى ذَلِك فَترك المعونة لَهُم وَترك متابعتهم أفضل
وهم طوائف النساك والقراء مِمَّن ينتحل مَذْهَب أبي عبد الله سُفْيَان بن سعيد الثَّوْريّ والفضيل بن عِيَاض والمعافى بن عمرَان ووكيع بن الْجراح وَأبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَعِيسَى بن يُوسُف ويوسف بن أَسْبَاط وَابْن الْمُبَارك وَإِبْرَاهِيم بن أدهم وَعباد بن عتبَة الْخَواص ومخلد بن الْحُسَيْن
[ ٦٢ ]
وَعلي بن بكار وَسليمَان الْخَواص وقاسم بن يزِيد الْجرْمِي وَزيد بن أبي الزَّرْقَاء وَابْن أبي ذِئْب وَأحمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل وَبشر بن الْحَارِث الحافي وَعبد الْوَهَّاب الْوراق وَمن سلك مسلكهم وسبيلهم من أَصْحَاب الحَدِيث مِمَّا يحسن فِي قِرَاءَته
وساعدهم على ذَلِك طوائف من المتصرفة بِمَكَّة واليمن وسواحل الشَّام وعبادان وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ لَا بُد من أَمارَة برة أَو فاجرة وَالدَّار لَا تصلح إِلَّا بِإِمَام يصلى خَلفه وترفع إِلَيْهِ الْأَحْكَام وَتصْلح الطّرق وَتعبد الجسور وتعمر الْمَسَاجِد الْعِظَام وتبنى المنائر للحراس بالثغور وتعقد الْأَوْلَوِيَّة على الصوائف وَغَيرهم وَيُقِيم الْحَج وَيُعْطِي الْفَيْء وَيقسم الْغَنِيمَة ويجبي الْخراج ويفرض الأعطية ويدون الدَّوَاوِين ويعول الْفُقَرَاء وَيُعْطِي الغارمين
فَإِذا أحسن وَاتَّقَى كَانَ صلاحا للرعية وَإِذا أَسَاءَ وفجر كَانَ فَسَاده جورا فِي الرّعية وَالصَّبْر على الْإِقَامَة مَعَه وَترك مُفَارقَة الْجَمَاعَة فِي الْخُرُوج من إِقَامَته والمعاملة فِي الشِّرَاء وَالْبيع وَالتِّجَارَة والصنائع فِي دولته جَائِز وَيكون بَيْنك وَبَينه ستر حَتَّى إِذا رَأَيْت حليتهم على أحد إجتنبته بِعَيْنِه
وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ إِن ضربت أَو ظلمت فاصبر
[ ٦٣ ]
وَقَالَ حُذَيْفَة لَيْسَ من السّنة أَن تشهر السِّلَاح فِي وَجه السُّلْطَان
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (سَتَرَوْنَ بعدِي فتنا وأثرة) قيل فَمَا تَأْمُرنَا بِهِ يَا رَسُول الله قَالَ (أعْطوا الْحق الَّذِي عَلَيْكُم وسلوا الله الَّذِي لكم)
وَهَذَا الحَدِيث أصل عَظِيم من أصُول الْإِسْلَام رَوَاهُ الْأَعْمَش وَمَنْصُور عَن يزِيد بن وهب عَن عبد الله بن مَسْعُود
[ ٦٤ ]