-
وَقد تنازعت طوائف من الْعلمَاء فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾
فَقَالَ بَعضهم سقِي المَاء للعاصي وإرشاده إِلَى الطَّرِيق من المعونة
وَقد رُوِيَ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِذا سَأَلَك الطَّرِيق إِلَى الْمَسْجِد فَلَا تدله لَعَلَّه يغتال رجلا فِيمَا بَينه وَبَين الْمُسلمين أَو يَظْلمه
وَقَالَت طَائِفَة المعونة على حرَام بِعَيْنِه
وَقَالَت طَائِفَة بيع السكين من السُّلْطَان والخشبة ليصلب عَلَيْهَا رجل مُسلم وَالسَّوْط من الجلاد والصليب من النَّصَارَى هَذَا كُله حرَام
وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن ذَلِك مُبَاح وَالْإِثْم على الْفَاعِل وَهَذِه الطَّائِفَة مُخَالفَة فِي التَّأْوِيل لِأَن النَّبِي ﷺ لعن فِي الْخمر عشرَة عاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ وشاربها وآكل ثمنهَا وحاضر مجلسها
[ ٨١ ]
وَقد أحرق سعد كرمه وَقَالَ بئس الشَّيْخ أَنا إِن أَنا بِعْت الْخمر
وَكره إِبْرَاهِيم أَن يعين النِّسَاء على فتل الخيوط للسبحة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يرى للنِّسَاء إِلَّا إِشَارَة عقد الْأَصَابِع بالأنامل
وَأَبُو قَتَادَة فِي الصَّيْد لم يناوله أَصْحَابه السَّوْط كَرَاهِيَة المعونة لَهُ وهم حرم لِأَن الله ﷿ نهى عَن قتل الصَّيْد وهم حرم
وَفِي المعونة أَخْبَار كَثِيرَة والتاركون لَهَا داخلون فِي الْفَضِيلَة وَقد قَالَ الضَّحَّاك أدركناهم مَا يتَعَلَّم بَعضهم من بعض إِلَّا الْوَرع
وَقَالَ الْحسن الْوَرع أفضل الْعِبَادَة
وَقَالَ لَا دين إِلَّا الْوَرع ويروى عَن الله ﷿ قَوْله ﴿فَأَما الورعون فأستحيي أَن أعذبهم﴾
فَأول بداية الْوَرع محاسبة النَّفس عِنْد خواطر الْقُلُوب وَالنَّفْي لدواعي الجهالات وَالْوُقُوف عِنْد الشُّبُهَات والاستبراء بالتقوى وَالِاحْتِيَاط عِنْد اخْتِلَاف الْعلمَاء
وَقد غَلطت طَائِفَة تأولت قَول ابْن مَسْعُود فِي الْأكل من اتجار المرابي فَقَالَ فلك المهنا وَعَلِيهِ الْإِثْم
وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ الشَّيْبَانِيّ عَن التَّمِيمِي عَن الْحَارِث بن سُوَيْد وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَهُوَ يضعف هَذَا الحَدِيث وَأحمد بن حَنْبَل
وَقد تأولت طَائِفَة قَول ابْن مَسْعُود على أَنه لم تجر شَهَادَة السَّائِل أَو يكون عبد الله علم من الرجل الَّذِي سَأَلَهُ فَقَالَ ابْن مَسْعُود كل من حَلَال مَاله
لِأَنَّهُ لَو تَابَ لأمسك مَا كَانَ لَهُ من الْحَلَال ورفض مَا سواهُ قَالَ الله عز
[ ٨٢ ]
وَجل فِي الرِّبَا ﴿وَإِن تبتم فلكم رُؤُوس أَمْوَالكُم﴾
وَقد ذهبت طَائِفَة من أهل الْعلم وَغَيرهم إِلَى أَن مَا لم يكن حَرَامًا فِي التَّنْزِيل أَو نهى رَسُول الله ﷺ فَهُوَ فِي الْإِطْلَاق وَالْإِبَاحَة حَتَّى تكون آيَة تمتّع أَو سنة مأثورة يجب اسْتِعْمَالهَا أَو اتِّفَاق بَين أهل الصَّلَاة وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا بِإِطْلَاق الْآيَة ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير﴾
وَكَانَ ابْن عَبَّاس ﵁ وَمن سلك مسلكه يذهبون إِلَى الظَّاهِر
وَقد روى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ الْحَلَال مَا أحله الله ﷿ وَالْحرَام مَا حرم الله تَعَالَى وَسكت عَن أَشْيَاء عفوا
وَقَالَ ذَلِك سلمَان وَالْحسن
وَقد رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن الْجُبْن وَالسمن
فَقَالَ النَّبِي ﷺ (الْحَلَال مَا أحل الله وَالْحرَام مَا حرم الله وَسكت عَن أَشْيَاء عفوا)
وَسَأَلَ الْبَراء بن عَازِب النَّبِي ﷺ عَن الْأَضَاحِي فَقَالَ إِنِّي أكله أَن يكون فِي السن نقص أَو فِي الْقرن فَقَالَ النَّبِي ﷺ (مَا كرهته فَدَعْهُ وَلَا تحرمه على غَيْرك)
وَمعنى هَذَا أَنه أَرَادَ أَن يحْتَاط لنَفسِهِ بترك أَشْيَاء اخْتلف فِي معنى
[ ٨٣ ]
تَأْوِيلهَا وَلَا يكون ذَلِك الشَّيْء حَرَامًا لِأَن الْقَائِل حَلَال وَحرَام عَاص الله تَعَالَى إِلَّا أَن يكون بِآيَة من كتاب الله أَو سنة أَو اتِّفَاق أَو دَلِيل على ذَلِك
فَأكل الْحَرَام مَعْصِيّة واعتقاد القَوْل بِأَن هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام وَلَيْسَ بِبَيَان أَو شَاهد من الْإِجْمَاع فَهُوَ افتراء على الله ﷿ وَكذب فِي الدّين لِأَن الله تَعَالَى لَام الواصفين لذَلِك فَقَالَ جلّ ذكره ﴿فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا قل آللَّهُ أذن لكم أم على الله تفترون﴾
فحرك قُلُوب السامعين للتلاوة وَالْخَوْف من الله ﷿ أَن يتقدموا على أَن يَقُولُوا حَرَامًا وحلالا إِلَّا بِعلم
وَقد سُئِلَ عتبَة بن فرقد عَن شَيْء فَكَانَ لَا يَقُول حَلَال وَلَا حرَام لَكِن يَقُول يستحبون ويكرهون
وَقد روى إِبْرَاهِيم بن أدهم كَانُوا يكْرهُونَ أَشْيَاء وَلَا يَقُولُونَ حَرَامًا
وَسُئِلَ جَابر بن زيد مَا تَقول فِي لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة هَل نهى رَسُول الله ﷺ عَنْهَا فَقَالَ قد كَانَ يَقُول ذَلِك عندنَا الحكم الْغِفَارِيّ وَأبي ذَلِك الْبَحْر يَعْنِي ابْن عَبَّاس ثمَّ قَرَأَ الْآيَة ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير﴾
وَكَانَ الشّعبِيّ وَمُجاهد يسلكان مَذْهَب ابْن عَبَّاس
[ ٨٤ ]
وَقد أَتَى رَسُول الله ﷺ بجبنة مِمَّا صنع فِي فَارس فَقَالَ (اقْطَعْ بالسكين وَاذْكُر اسْم الله وكل)
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وسلمان وَالْحسن وَإِبْرَاهِيم فِي الْجُبْن فَقَالُوا كل
وَقَالَ الْحسن وَلَا تشك
[ ٨٥ ]