قَالَ أَبُو عبد الله الْحَارِث بن أَسد بن عبد الله المحاسبي ﵀
الْحَمد لله القاهر بقدرته الظَّاهِر بعزته الْغَالِب بجبروته الَّذِي بَدَأَ خلق مَا خلق من غير سبق بل هُوَ الأول قبل الْأَبَد وَالْآخر إِلَى غير أمد المنشئ لما شَاءَ بمشيئته لما سبق ذَلِك من علمه واستتر فِي خَفِي غيبه فَكَانَ أمره جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ بمحكم من الصَّنْعَة وإتقان من الْحِكْمَة بتفصيل عقائد أحكمها بتدبيره وأجراها بِعِلْمِهِ وأبقاها بقدرته على مَا أَرَادَ من ذَلِك فِي اخْتِلَاف الْأَزْمِنَة وتقلب الدهور ليبدو المغيب الْمَعْلُوم عِنْد أَوَانه وَيَزُول الْكَائِن الموقوت لأَجله
فسبحان من ﴿بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَإِلَيْهِ ترجعون﴾
وَله الْحَمد جلّ ثَنَاؤُهُ وتقدست أسماؤه على مَا يسْتَحق من ذَلِك على خلقه وكما هُوَ أهل لذَلِك فِي كبريائه وعظمته وجلاله
جلّ الْمخبر عَن نظر خلقه لما كَانَ عَن الْعُقُول غَائِبا وَعَن الأوهام فِي غيبه محتجبا ليدل الْخلق بذلك على نَفسه وَإِلَى إِثْبَات توحيده
[ ١١ ]
وينبههم بذلك على مَعْرفَته ليعرفوه بِالْقُدْرَةِ ويفردوه بِالْأَمر كُله وليعلموا أَنما هُوَ إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ فَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ فِي مُحكم نَاطِق من التَّنْزِيل ﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ وتجعلون لَهُ أندادا ذَلِك رب الْعَالمين وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ وَأوحى فِي كل سَمَاء أمرهَا وزينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وحفظا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾
فَأخْبر جلّ ثَنَاؤُهُ عَن بَدْء خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ من بَدَائِع الصَّنْعَة وعجائب التَّرْكِيب وَاخْتِلَاف الْأَلْسِنَة والألوان المتشابهة والصور المتباينة وافتراق عَظِيم مَا أنشأ جلّ ثَنَاؤُهُ من جليل خلقه ودقيقه وكبيره وصغيره من خلق السَّمَاوَات فِي عَظِيم خلقتها وارتفاع بنائها وكثيف أطباقها وثخن سمكها وسعة بسطها من غير عمد ترَاهَا الْعُيُون وَلَا تدركها الظنون
[ ١٢ ]
وَمَا فِيهَا من ساكنيها من الْمَلَائِكَة الَّذين لَا يفترون تسبيحا وتقديسا وتهليلا وتعظيما وسجودا وركوعا على مَا استعبدوا بِهِ من فنون الْعِبَادَة ودائم سرمد الْخدمَة
وَكَذَلِكَ الأرضون بِمَا فِيهَا من وحشيها وإنسيها ورواسي جبالها وعميق بحارها وبرها وطيرها وهوامها باخْتلَاف اللُّغَات المعبرة لكل صنف عَن مُرَاد مَعْقُول عِنْد جنسه مَجْهُول عِنْد ضِدّه من مُعْجم الْأَلْسِنَة ومعربها بمقادير مفوضة وأرزاق مقدرَة وأقوات مقسطة وآجال مُؤَجّلَة
أحَاط بذلك كُله جلّ ثَنَاؤُهُ علما وأحصاه عددا فَلَنْ يتَأَخَّر شَيْء مِنْهَا عَن وقته وَلم ينقص شَيْئا مِنْهَا من رزقه ثمَّ دعاهم جلّ ثَنَاؤُهُ إِلَى النّظر فِي عجائب مَا خلق فَقَالَ جلّ وَعز ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء وَأَن عَسى أَن يكون قد اقْترب أَجلهم﴾
وَقَالَ جلّ وَعز ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب﴾
حسن دلَالَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ لَهُم على النّظر فِي آيَاته والفكر فِي عجائب صنعه وَفِي ذَلِك سَبِيل لَهُم إِلَى مَعْرفَته وَإِلَى الْعلم بِأَنَّهُ الْخَالِق الرازق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْوَاحِد سُبْحَانَهُ وَأَن من دونه لَهُ خلق وَأَن الْخلق كلهم مألهون مستعبدون
لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نفعا وَلَا ضرا
[ ١٣ ]
وَلَا يملكُونَ موتا وَلَا حَيَاة وَلَا نشورا
ثمَّ دعاهم بعد ذَلِك إِلَى النّظر فِي أنفسهم فَقَالَ جلّ وَعز ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب إِنَّه على رجعه لقادر﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ من روحه وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة قَلِيلا مَا تشكرون﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِن كُنْتُم فِي ريب من الْبَعْث فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء إِلَى أجل مُسَمّى ثمَّ نخرجكم طفْلا ثمَّ لتبلغوا أَشدّكُم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إِلَى أرذل الْعُمر﴾
فَبين ﷻ بَدْء خلق الْإِنْسَان بمحكم من الْبَيَان ليعلموا بذلك كَيفَ أنشأهم وعَلى أَيَّة هَيْئَة هيأهم ليعترفوا بِالْعَجزِ ويقروا بالضعف ويفردوه جلّ ثَنَاؤُهُ بِالْأَمر حَتَّى تكون لَهُم معرفَة أنفسهم دَلِيلا على خالقهم وسببا إِلَى معرفَة صانعهم
وأعلمهم جلّ ثَنَاؤُهُ أَنه بَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين وَمن سلالة من مَاء مهين خلقا ضَعِيفا فِي أَصله ثمَّ قَلِيلا فِي عينه حَقِيرًا فِي رُؤْيَته
ثمَّ نَقله ﷻ وثناؤه بعد هَذِه المهانة إِلَى أَن صيره علقَة
[ ١٤ ]
يعاف عَن رؤيتها ويتنزه عَن لمسها
ثمَّ صيره مُضْغَة منقولة عَن بَدْء خلقهَا ثمَّ نقلهَا عَن هَيْئَة المضغة فصيرها بِحكم تَدْبيره وخفي تَقْدِيره عظما ثمَّ كَسَاه تَعَالَى لَحْمًا
ثمَّ صوره بِأَحْسَن صُورَة فشق سَمعه وبصره وَجعله بإنفاذه لما خلق مِنْهُ مُتَّصِلا مَوْصُولا ذَا لِسَان وشفتين ويدين وَرجلَيْنِ
ثمَّ نفخ فِيهِ من روحه ثمَّ جعل الْأَرْحَام لَهُ مسكنا والبطن لَهُ منزلا حَيْثُ لَا تُدْرِكهُ الْعُيُون فتصف كيفيته فِيهَا فِي ظلم الْأَرْحَام ومكنون الأحشاء وَمَا اضطمت عَلَيْهِ جوانح الْبَطن
وسَاق إِلَيْهِ فِي خَفِي مَكَانَهُ الرزق وَأدّى إِلَيْهِ على غامض مَوْضِعه الْغذَاء وَحفظه من الْآفَات وَدفع عَنهُ المكروهات حَيْثُ لَا يملك ذَلِك الْآبَاء والأمهات ليبلغ سَابق الْعلم فِيهِ وَيجْرِي قديم الحكم عَلَيْهِ
ثمَّ نَقله جلّ وَعز من هَذَا الْحَال إِلَى دَار الزَّوَال بعد أَن كتب لَهُ عمله وَضرب لَهُ أَجله وَقسم لَهُ رزقه
فسبحان من تقدم علمه بِمَا الْخلق عاملون وَإِلَى مَا هم إِلَيْهِ صائرون سُبْحَانَهُ من حَكِيم عليم لَا شريك لَهُ فِي ملكه وَلَا مقاوم لَهُ فِي عزه وَلَا مَانع لَهُ فِي أمره الْفَرد المتفرد بِالْأَمر كُله جلّ ثَنَاؤُهُ الْملك الْخَبِير الْعَالم الْقَدِير الَّذِي بفضله دلّ الْخلق على نَفسه وبكرمه دعاهم إِلَى عِبَادَته وبرأفته خوفهم من عُقُوبَته الْغَنِيّ عَن عبَادَة الْعَالمين وَعَن طَاعَة المطيعين الَّذِي عطف برأفته على الْخلق ودعاهم إِلَى عِبَادَته ليثيبهم على ذَلِك بعطيته ويكرمهم بالموافقة لجنته
سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ فقد علم جلّ ثَنَاؤُهُ أَن جَوَامِع عقول الْخلق من
[ ١٥ ]
أصل سماواته وأرضه وَمَنَافع نهايات صِفَات ألسنتهم وغايات عقائد مُحكم معرفتهم لَو جعلت فِي عبد وَاحِد من عبيده ثمَّ مثل عَطاء ذَلِك العَبْد فِي سَائِر خلقه ثمَّ أضعفوا وأضعف لَهُم الْعَطِيَّة وَقسم ذَلِك بَينهم بِالسَّوِيَّةِ ثمَّ أَدِيم ذَلِك لَهُم عَطاء وعددا كأسرع مَا أَدْرَكته الصّفة فِي دَائِم أَبَد الْأَبَد على بَقَاء الْخلد الَّذِي لَيْسَ لَهُ أمد ثمَّ أوقفوا ليبلغوا بذلك مَا يجب لَهُ لعجزوا عَن الْقيام بذلك ولرجعوا إِلَيْهِ بالصغر مقرين وبالعجز معترفين
فسبحان من هَذِه صفته على قدر إِدْرَاك مَا بلغت الْعُقُول وأومت إِلَيْهِ الْمعرفَة فَكيف بِمَا غَابَ عَن الْخلق من الْعلم بصفاته سُبْحَانَهُ
وَإِنَّمَا بلغت لَهُم عَظمته وَأدْركت أَيدي الظفر مِنْهُم بهيبته على قدر الْخلق وَمَا تحْتَمل من ذَلِك عُقُولهمْ وَتقوم لَهُ أَرْوَاحهم وتنهض بِهِ أبدانهم
وَلَو كشف سُبْحَانَهُ عَن بعض مَا ستره عَنْهُم لساخت بذلك أرضه ولتمزقت سماواته ولتلف سَائِر خلقه فسبحان الْحَكِيم الْخَبِير الَّذِي لطف بخلقه بِمَا ستر عَنْهُم من أمره ورحمهم بِمَا غيب عَنْهُم من قدرته ليتم أمره فِي خلقه وتنفذ مَشِيئَته عَلَيْهِم ويمضي قديم علمه فيهم
فَكَانَ مِمَّا دبرهم بِهِ الْحَكِيم سُبْحَانَهُ أَن جعلهم أجسادا لَا تقوم إِلَّا بالأغذية وَلَا يَدُوم بَقَاؤُهَا إِلَّا بالأطعمة فَضرب الْآجَال وَقسم الأرزاق وَختم أَمر الدُّنْيَا بالفناء
فَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾
[ ١٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يُحْيِيكُمْ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها وَيعلم مستقرها ومستودعها كل فِي كتاب مُبين﴾
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها الله يرزقها وَإِيَّاكُم﴾
وَقَالَ ﷿ ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّه لحق مثل مَا أَنكُمْ تنطقون﴾
فَأخْبر جلّ ثَنَاؤُهُ بقسمة الرزق بَين خلقه وتولية ذَلِك فِي مَوَاضِع من كِتَابه جلّ وَعز كَثِيرَة ثمَّ دَعَا الْخلق سُبْحَانَهُ إِلَى التَّوَكُّل عَلَيْهِ بعد أَن أعلمكُم بكفالته لَهُم وتقسيمه بَينهم فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾
وَقَالَ ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل المتوكلون﴾
فَأوجب جلّ وَعز التَّوَكُّل وفرضه على الْخلق لِئَلَّا يتشاغلوا عَن الْعِبَادَة بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من ذَلِك فكفاهم بذلك الْمُؤْنَة وَأثبت بِهِ عَلَيْهِم الْحجَّة وَفرض عَلَيْهِم فَرَائض أحكمها وَبَين لَهُم مَا
[ ١٧ ]
استعبدهم فِيهَا من عَددهَا وأوقاتها وأحكامها من الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْجهَاد وحدود مَا أحل وَحرم
فَفرض ذَلِك وَبَينه بمحكم من كِتَابه وَبَيَان من سنة رَسُوله ﷺ كثيرا
[ ١٨ ]