[ ٢٥ ]
فأجاب بقوله: هذا لا ينبغي لوجوه:
الأول: أن الله - تعالى - إذا ذكر وصف نفسه بالقدرة لم يقيد ذلك بالمشيئة في قوله - تعالى-:) ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير «١) . وقوله:) ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير «٢) . وقوله:) ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض «٣) فعمم في القدرة كما عمم في الملك وقوله:) ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شئ قدير «٤) . فعمم في الملك والقدرة، وخص الخلق بالمشيئة، أما القدرة فصفة أزلية أبدية شاملة لما شاء وما لم يشأه، لكن ما شاءه سبحانه وقع وما لم يشأه لم يقع والآيات في
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٠) .
(٢) سورة البقرة، الآية (١٠٦) .
(٣) سورة البقرة، الآية (١٠٧) .
(٤) سورة المائدة، الآية (١٧) .
[ ٢٦ ]
ذلك كثيرة.
الثاني: أن تقييد القدرة بالمشيئة خلاف ما كان عليه النبي ﷺ، وأتباعه فقد قال الله عنهم:) يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير «١) . ولم يقولوا (إنك على ما تشاء قدير)، وخير الطريق طريق الأنبياء وأتباعهم فإنهم أهدى علمًا وأقوم عملًا.
الثالث: أن تقييد القدرة بالمشيئة يوهم اختصاصها بما يشاؤه الله - تعالى - فقط، لا سيما وأن ذلك التقييد يؤتى به في الغالب سابقًا حيث يقال: (على ما يشاء قدير) وتقديم المعمول يفيد الحصر كما يعلم ذلك في تقرير علماء البلاغة وشواهده من الكتاب والسنة واللغة، وإذا خصت قدرة الله - تعالى - بما يشاؤه كان ذلك نقصًا في مدلولها وقصرًا لها عن عمومها فتكون
_________________
(١) سورة الشورى، الآية (٢٩) .
[ ٢٧ ]
قدرة الله - تعالى ناقصة حيث انحصرت فيما يشاؤه، وهو خلاف الواقع فإن قدره الله - تعالى- عامة فيما يشاؤه وما لم يشأه، لكن ما شأه فلابد من وقوعه، وما لم يشأه فلا يمكن وقوعه.
فإذا تبين أن وصف الله - تعالى - بالقدرة لا يقيد بالمشيئة بل يطلق كما أطلقه الله - تعالى - لنفسه فإن ذلك لا يعارضه قول الله - تعالى -:) وهو على جمعهم إذا يشاء قدير «١) . فإن المقيد هنا بالمشيئة هو الجمع لا القدرة، والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية أن الله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره ويقيده بالمشيئة رد لقول المشركين الذي قال الله - تعالى - عنهم:) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين، قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه
_________________
(١) سورة الجاثية، الآيتان (٢٥، ٢٦) .
[ ٢٨ ]
ولكن أكثر الناس لا يعلمون «١) . فلما طلبوا الإتيان بآبائهم تحديًا وإنكارًا لما يجب الإيمان به من البعث، بين الله - تعالى - أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحدي هؤلاء وإنكارهم كما قال الله - تعالى -:) زعم الذي كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن «٢) . والحاصل أن قوله - تعالى -:) وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (. لا يعارض ما قررناه من قبل لأن القيد بالمشيئة ليس عائدًا إلى القدرة وإنما يعود إلى الجمع.
وكذلك لا يعارضه ما ثبت في صحيح مسلم في كتاب (الإيمان) في (باب آخر أهل النار خروجًا) من حديث ابن مسعود، رضي الله
_________________
(١) سورة التغابن، الآيتان (٧ - ٩) .
(٢) سورة الفتح الآية (٢٧) .
[ ٢٩ ]
عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (آخر من يدخل رجل) فذكر الحديث وفيه أن الله - تعالى - قال للرجل: " إني لا استهزئ منك ولكني على ما شاء قادر " وذلك لأن القدرة في هذا الحديث ذكرت لتقدير أمر واقع والأمر الواقع لا يكون إلا بعد المشيئة، وليس المراد بها ذكر الصفة المطلقة التي هي وصف الله - تعالى - أزلا وأبدلًا، ولذلك عبر عنها باسم الفاعل (قادر) دون الصفة المشبهة (قدير)
وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا قادر على ما يشاء، يجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على إنها صفة لله - تعالى - فلا تقيد بالمشيئة، وبين ذكرها لتقدير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة، لأن الواقع لا يقع إلا بالمشيئة، والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقدير وقوعه، والله - سبحانه - أعلم.
٢٧. سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قول الإنسان القائل (أنا مؤمن إن شاء الله)
[ ٣٠ ]
يسمى عند العلماء (مسألة الاستثناء في الإيمان) وفيه تفصيل:
أولا: إن كان الاستثناء صادرا عن شك في وجود أصل الإيمان فهذا محرم بل كفر؛ لأن الإيمان جزم والشك ينافيه.
ثانيا: إن كان صادرًا عن خوف تزكية النفس والشهادة لها بتحقيق الإيمان قولا وعملا واعتقادا، فهذا واجب خوفا من هذا المحذور.
ثالثًا: إن كان المقصود من الاستثناء التبرك بذكر المشيئة، أو بيان التعليل وأن ما قام بقلبه من الإيمان بمشية الله، فهذا جائز التعليق على هذا الوجه - أعني بيان التعليل - لا ينافي تحقق المعلق فإنه قد ورد التعليق على هذا الوجه في الأمور المحققة كقوله - تعالى -:) لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين
[ ٣١ ]
رءوسكم ومقصرين لا تخافون «١) . والدعاء في زيارة القبور (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) وبهذا عرف انه لا يصح إطلاق الحكم على الاستثناء في الإيمان بل لابد من التفصيل السابق.