فأجاب بقوله: هذا الكلام يحتمل معنيين:
أحدهما: أن الروح جزء من الله.
والثاني: أن الروح من الله خلقًا.
وأظهرهما أنه أراد أن الروح جزء من الله لأنه لو أراد أن الروح من الله خلقا لم يكن بينها وبين الجسد فرق إذ الكل من الله - تعالى - خلقا وإيجادًا. والجواب على قوله أن نقول لا شك أن الله أضاف روح آدم إليه في قوله - تعالى -:) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي «١) وأضاف روح عيسى إليه فقال: ) ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا «٢) وأضاف بعض مخلوقات
_________________
(١) سورة الحجر، الآية (٢٩) .
(٢) سورة التحريم، الآية (١٢) .
[ ٦٢ ]
أخرى إليه كقوله:) وطهر بيتي للطائفين والقائمين «١) . وقوله:) وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه «٢) . وقوله عن رسوله صالح:) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها «٣) ولكن المضاف إلى الله نوعان:
أحدهما: ما يكون منفصلًا بائنا عنه، قائما بنفسه أو قائما بغيره، فإضافته إلى الله تعالى إضافة خلق وتكوين، ولا يكون ذلك إلا فيما يقصد به تشريف المضاف أو بيان عظمة الله - تعالى -، لعظم المضاف، فهذا النوع لا يمكن أن يكون من ذات الله - تعالى -، فلأن ذات الله تعالى واحدة لا يمكن أن تتجزأ أو تتفرق، وأما كونه لا يمكن أن يكون من صفات الله فلأن الصفة معنى في الموصوف لا يمكن أن تنفصل عنه،
_________________
(١) سورة الحج، الآية (٢٦) .
(٢) سورة الجاثية، الآية (١٣) .
(٣) سورة الشمس، الآية (١٣)
[ ٦٣ ]
كالحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والسمع، والبصر، وغيرها. فإن هذه الصفات صفات لا تباين موصوفها، ومن هذا النوع إضافة الله - تعالى - روح آدم وعيسى إليه، وإضافة البيت وما في السموات والأرض إليه، وإضافة الناقة إليه، فروح آدم، وعيسى قائمة بهما، وليست من ذات الله - تعالى -، ولا من صفاته قطعًا، والبيت وما في السموات والأرض، والناقة أعيان قائمة بنفسها، وليس من ذات الله ولا من صفاته، وإذا كان لا يمكن لاحد أن يقول: إن بيت الله، وناقة الله من ذاته ولا من صفاته، ولا فرق بينهما إذ الكل بائن منفصل عن الله - عزل وجل - وكما أن البيت والناقة من الأجسام فكذلك الروح جسم تحل بدن الحي بإذن الله، يتوفاها الله حين موتها، ويمسك التي قضى عليها الموت، ويتبعها بصر الميت حين تقبض، لكنها جسم من جنس آخر.
النوع الثاني من المضاف إلى الله: ما لا يكون
[ ٦٤ ]
منفصلا عن الله بل هو من صفاته الذاتية أو الفعلية، كوجهه، ويده، سمعه، وبصره، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك، فإضافته إلى الله - تعالى - من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وليس من باب إضافة المخلوق والمملوك إلى مالكه وخالقه.
وقول المتكلم (إن الروح من الله) يحتمل معنى آخر غير ما قلنا: إنه الأظهر، وهو أن البدن مادته معلومة، وهي التراب، أما الروح فمادتها غير معلومة، وهذا المعنى صحيح. كما قال الله - تعالى -) ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا «١) . - وهذه والله أعلم - من الحكمة في إضافتها إليه أنها أمر لا يمكن أن يصل إليه علم البشر بل هي مما استأثر الله بعلمه كسائر العلوم العظيمة الكثيرة التي لم نؤت منها إلا القليل، ولا نحيط بشيء
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٨٥) .
[ ٦٥ ]
من هذا القليل إلا بما شاء الله - ﵎ -.
فنسأل الله - تعالى -، أن يفتح علينا من رحمته وعلمه ما به صلاحنا، وفلاحنا في الدنيا والآخرة.