فأجاب قائلا: الروح في الغالب تطلق على ما به الحياة سواء كان ذلك حسا أو معنى، فالقران يسمى روحا قال الله - تعالى -:) وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا «١) لأن به حياة القلوب بالعلم والإيمان، والروح التي يحيى بها البدن تسمى روحا قال الله - تعالى -:) ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي «٢)
أما النفس فتطلق على ما تطلق عليه الروح كثيرًا كما في قوله - تعالى -:) الله يتوفى الأنفس حين موتها
_________________
(١) سورة الشورى، الآية (٥٢) .
(٢) سورة الإسراء الآية (٨٥) .
[ ٦٦ ]
والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى «١) .
وقد تطلق النفس على الإنسان نفسه، فيقال جاء فلان نفسه، فتكون بمعنى الذات، فهما يفترقان أحيانا، ويتفقان أحيانا، بحسب السياق.
وينبغي بهذه المناسبة أن يعلم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها فقد تكون الكلمة الواحدة لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق، فالقرية مثلا تطلق أحيانا على نفس المساكن، وتطلق أحيانا على الساكن نفسه ففي قوله - تعالى - عن الملائكة الذين جاءوا إبراهيم) قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية «٢)
المراد بالقرية هنا المساكن، وفي قوله - تعالى -:) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أم معذبوها
_________________
(١) سورة الزمر، الآية (٤٢) .
(٢) سورة العنكبوت، الآية (٣١) .
[ ٦٧ ]
عذابًا شديدًا «١) المراد بها المساكن، وفي قوله - تعالى:) أو كالذي مر على قرية هي خاوية على عروشها «٢) المراد بها المساكن، وفي قوله:) وأسأل القرية التي كنا فيها «٣) المراد بها الساكن، فالمهم أن الكلمات إنما يتحدد معناها بسياقها وبحسب ما تضاف إليه، وبهذه القاعدة المفيدة المهمة يتبين لنا رجحان ما ذهب إليه كثير من أهل العلم من أن القران الكريم ليس فيه مجاز، وأن جميع الكلمات التي في القران كلها حقيقة، لان الحقيقة هي ما يدل عليه سياق الكلام بأي صيغة كان، فإذا كان الأمر كذلك تبين لنا بطلان قول من يقول إن في القران مجازا، وقد كتب في هذا أهل العلم وبينوه، ومن أبين ما يجعل هذا القول صوابا أن من علامات المجاز صحة نفيه بمعنى أنه
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية (٥٨) .
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٥٩) .
(٣) سورة يوسف، الآية (٨٢) .
[ ٦٨ ]
يصح أن تنفيه فإذا قال: فلان أسد، صح له نفيه، وهذا لا يمكن أن يكون في القران، فلا يمكن لأحد أن ينفي شيئا مما ذكره الله - تعالى - في القران الكريم.