فائدة
الإسلام: هو الاستسلام لله وحده بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت؛ فهو الخضوع لله تعالى، والعبودية له وحده، فمن استكبر عن عبادته وأشرك معه غيره، فغير مسلم.
فإن قيل: «ما أوجبه الله تعالى من الأعمال أكثر من الخمسة المذكورة التي جعلها النبي ﷺ هي أركان الإسلام، أو هي الإسلام»:
فالجواب هو: أن ما ذكره النبي ﷺ هو الذي يجب على كل مكلف بلا قيد، وأما ما سواه: فإما أنه يجب على الكفاية؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحوه، أو لأسباب؛ كصلة الرحم؛ إذ ليس كل أحد له قرابة تجب صلتهم.
كذا ذكر الشيخ الجواب؛ لكن يرد على هذا: الزكاة، والحج؛ إذ ليس كل أحد عنده مال حتى تجب عليه الزكاة والحج، ولعل الجواب: أن هذه الخمس المذكورة هي أكبر أجناس الأعمال؛ فإن الأعمال على ثلاثة أقسام:
قسم: أعمال بدنية ظاهرة، كالصلاة، وباطنة، كالشهادتين، وهما أيضًا من الأقوال.
وقسم: أعمال مالية، كالزكاة.
وقسم: مركب من النوعين؛ كالحج.
فذكر النبي ﷺ الأصول، وأن المرء إذا قام بأصل من هذه الأجناس، فهو مسلم.
وأيضًا: فإن صلة الرحم قد يكون الداعي فيها قويًا ليس من جهة الشرع، بل من جهة الإنسانية، بخلاف الزكاة والحج!!
[ ٤ ]
فائدة
الناس في تفاضل الإيمان وتبعضه على قولين:
أحدهما: إثبات ذلك، وهو الصواب الذي تدل عليه الأدلة العقلية والنقلية وهو قول المحققين من أهل السنه، وتفاضله بأمرين:
الأول: من جهة العامل؛ وذلك نوعان:
النوع الأول: في الاعتقاد ومعرفة الله تعالى، فإن كل أحد يعرف تفاضل يقينه في معلوماته، بل في المعلوم الواحد وقتًا يري يقينه فيه أكمل من الوقت الآخر.
النوع الثاني: في القيام بالأعمال الظاهرة، كالصلاة، والحج، والتعليم، وإنفاق المال، والناس في هذا على قسمين:
أحدهما: الكامل، وهم الذين أتوا به على الوجه المطلوب شرعًا.
الثاني: ناقصون، وهم نوعان:
النوع الأول: ملامون، وهم من ترك شيئًا منه مع القدرة وقيام أمر الشارع، لكنهم إن تركوا واجبًا، أو فعلوا محرمًا، فهم آثمون، وإن فعلوا مكروها، أو تركوا مستحبًا، فلا إثم.
النوع الثاني: ناقصون غير ملامين، وهم نوعان:
الأول: من عجز عنه حسًا؛ كالعاجز عن الصلاة قائمًا.
الثاني: العاجزون شرعًا مع القدرة عليه حسًا، كالحائض تمتنع من الصلاة، فإن هذه قادرة عليه، لكن لم يقم عليها أمر الشارع؛ ولذلك جعلها النبي ﷺ ناقصة الإيمان بذلك؛ فإن من لم يفعل المأمور ليس كفاعله.
ومثل ذلك: من أسلم ثم مات قبل أن يصلي لكون الوقت لم يدخل؛
[ ٥ ]
فإن ذلك كامل الإيمان، لكنه من جهة أخرى ناقص، ولا يكون كمن فعل الصلاة وشرائع الإسلام، ومن ذلك: قول النبي ﷺ: «خيركم من طال عمره وحسن عمله» (١)
الأمر الثاني: من جهة العمل؛ فكلما كان العمل أفضل، كانت زيادة الإيمان به أكثر.
القول الثاني: نفي التفاضل والتبعّض، وانقسم أصحاب هذا القول إلى طائفتين:
إحداهما: قالت: إن من فعل محرمًا، أو ترك واجبًا فهو مخلد في النار، وهؤلاء هم المعتزلة، وقالوا: هو لا مسلم ولا كافر، منزلة بين المنزلتين. وأما الخوارج فكفروه.
الطائفة الثانية: مقابلة لهذه، قالت: كل موحد لا يخلد في النار، والناس في الإيمان سواء؛ وهم المرجئة، وهم ثلاثة أصناف:
صنف قالوا: الإيمان مجرّد ما في القلب، وهم نوعان:
الأول: من يدخل أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة.
والثاني: من لا يدخلها، وهم الجهمية وأتباعهم؛ كالأشعري، لكن الأشعري يثبت الشفاعة في أهل الكبائر.
والصنف الثاني قالوا: الإيمان مجرد قول اللسان، وهم الكرامية، ولا يعرف لأحد قبلهم، وهؤلاء يقولون: إن المنافق مؤمن، ولكنه مخلد في النار.
الصنف الثالث قالوا: إنه تصديق القلب وقول اللسان، وهم أهل الفقه والعبادة من المرجئة، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الزهد (٢٣٢٩) وحسنه، والدارمي، كتاب الرقائق (٢٧٤٢)، وأحمد (٤/١٨٨) .
[ ٦ ]
فائدة
مراد النبي ﷺ بقوله: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (١): أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، لا أن من لم ينكر ذلك بقلبه، لم يكن معه من الإيمان حبة خردل.
قلت: ومن رضي بالذنب، واطمأن إليه، فهو كفاعله؛ لا سيما مع فعل ما يوصل إليه وعجز، وقد قال الشيخ﵀: - «إن من ترك إنكار كل منكر بقلبه، فهو كافر» .
فائدة
الإسلام: عبادة الله وحده، فيتناول من أظهره ولم يكن معه إيمان، وهو المنافق، ومن أظهره وصدق تصديقًا مجملًا، وهو الفاسق، فالأحكام الدنيوية معلقة بظاهر الإيمان لا يمكن تعليقها بباطنه لعسره أو تعذره؛ ولذلك ترك النبي ﷺ عقاب أناس منافقين مع علمه بهم؛ لأن الذنب لم يكن ظاهرًا.
اهـ. ما أردنا نقله من «كتاب الإيمان» على نوع من التصرف لا يخل بالمعنى.