المدرس بالمعهد العلمي في الرياض
كل معقولين لابد فيهما من إحدى نسب أربع:
المساواة.
المباينة.
(ج) العموم والخصوص المطلق.
(د) العموم والخصوص من وجه.
وبرهان ذلك الحصر: أن المعقولين من حيث هما: إما أن لا يجتمعا ألبتة، أو لا يفترقا
ألبتة، أو يجتمعا تارة ويفترقا أخري:
فإن كانا لا يفترقان: فهما المتساويان، والنسبة بينهما المساواة كالإنسان والبشر؛ فإن
كل ذات تثبت لها الإنسانية تثبت لها البشرية كالعكس.
[ ١٤ ]
وإن كانا لا يجتمعان: فهما المتباينان، والنسبة بينهما التباين؛ كالإنسان والحجر؛ فإن
كل ذات تثبت لها الإنسانية انتفت عنها الحجرية؛ كالعكس.
وإن كانا يجتمعان تارة، ويفترقان أخري: فلهما حالتان:
الأولي: أن يكون الافتراق من الطرفين.
الثانية: أن يكون الافتراق من طرف واحد.
فإن كان من طرف واحد؛ بأن كان أحدهما يفارق صاحبه، والثاني لا يفارق: فالنسبة
بينهما العموم والخصوص المطلق، فالذي يفارق أعم مطلقًا، والذي لا يفارق أخص مطلقًا، كالإنسان والحيوان: فالإنسان لا يفارق الحيوان؛ لأن كل إنسان حيوان؛ فهو أخصّ مطلقًا، والحيوان لا يفارق الإنسان؛ لوجوده في الفرس مثلًا؛ فهو أعم مطلقًا.
وإن كان الافتراق من الطرفين: فالنسبة بينهما العموم والخصوص من وجه؛ كالإنسان
والأبيض: فإنهما يجتمعان في العربي والرمي؛ فهو إنسان أبيض، وينفرد الإنسان عن الأبيض في الإنسان الأسود؛ كالحبشى، وينفرد الأبيض عن الإنسان في الثلج والعاج ونحو ذلك، مما هو أبيض غير إنسان.
فإن كانت النسبة بين طرفي القضية المساواة: صدق الإيجابان، وكذب السلبان؛ (فتقول: كل إنسان بشر، وكل بشر إنسان، بعض الإنسان بشر، وبعض البشر إنسان، فقد صدقت إيجابًا كليا وجزئيًا، ولا يصح أن تقول: لا شيء من البشر بإنسان، ولا شيء من الإنسان ببشر، ولا بعض البشر ليس بإنسان، ولا بعض الإنسان ليس ببشر) .
وإن كانت المباينة: فالعكس، (أي: يكذب الإيجابان، ويصدق السلبان، كلية كانت القضية أو جزئية؛ فلا يصح أن تقول: كل حجر إنسان،
[ ١٥ ]
ولا كل إنسان حجر، ولا بعض الحجر إنسان، ولا بعض الإنسان حجر) .
وإن كانت النسبة العموم والخصوص من وجه: صدقت الجزئيتان، وكذبت الكليتان، (أي: سواء كانت القضية إيجابًا أو سلبًا، فإذا قلت: بعض الأبيض إنسان، أو بعض الإنسان أبيض، ليس بعض الأبيض بإنسان، ليس بعض الإنسان بأبيض، كان ذلك صدقًا، وإن قلت: كل الأبيض إنسان، أو كل الأسود ليس بإنسان، أو قلت: كل إنسان أبيض، أو لا شيء من الإنسان بأبيض، كان ذلك كذبًا) .
وإن كانت النسبة العموم والخصوص المطلق:
فإن كان المحكوم عليه هو الأخص: فكالمساواة، (أي: تصدق القضية إيجابًا، كلية كانت أو جزئية، وتكذب سالبة، كلية كانت أو جزئية؛ فلو قلت: كل إنسان حيوان، أو بعض الإنسان حيوان، كان ذلك صدقًا، ولو قلت: ليس الإنسان بحيوان، أو ليس بعض الإنسان بحيوان، كان كذبًا) .
وإن كان المحكوم عليه هو الأعم: فكالعموم والخصوص من وجه، (أي: تصدق القضية جزئية، سالبة كانت أو موجبة، وتكذب كلية كذلك، فلو قلت: بعض الحيوان إنسان، أو ليس بعض الحيوان بإنسان، صار ذلك صدقًا، وإن قلت: كل الحيوان إنسان، أو لا شيء من الحيوان بإنسان، كان ذلك كذبًا) .
التباين قسمان: تباين تخالف، وتباين تقابل:
أما تباين التخالف: فهو أن تكون الحقيقتان متابينتين في حد ذاتيهما، إلا أنهما يجوز تواردهما على ذات أخرى، بأن تتصف بهما معًا في وقت واحد؛ كالسواد والحلاوة، والقيام والكلام؛ فحقيقة السواد مباينة لحقيقة الحلاوة، مع أنهما يجوز اجتماعهما في شيء واحد؛ كالتمر الأسود، فهو
[ ١٦ ]
أسود حلو.
وأما تباين المقابلة: فهو أن يكون بين الحقيقتين غاية المنافاة حتى يستحيل اجتماعهما في محل واحد في وقت واحد، وهو أربعة أقسام:
الأول: تقابل النقيضين.
الثاني: تقابل الضدين.
الثالث: تقابل المتضايفين.
الرابع: تقابل العدم والملكة.
أما تقابل النقيضين: فهو تقابل السلب والإيجاب، أعني: النفي والإثبات؛ فالنقيضان أبدًا أحدهما وجودي، والآخر عدمي، واجتماعهما مستحيل، وارتفاعهما مستحيل، ومثاله: الحركة والسكون، والضلال والهدى؛ (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ) (يونس: ٣٢) .
وأما تقابل الضدين: فهو التقابل بين أمرين وجوديين بينهما غاية المنافاة، لا يتوقف إدراك أحدهما على إدراك الآخر، واجتماعهما مستحيل، وارتفاعهما جائز؛ كالسواد والبياض: فإنه يستحيل أن تكون النقطة الواحدة من اللون بيضاء سوداء في وقت واحد، ويجوز ارتفاعهما عنها بأن تكون خضراء أو حمراء.
وأما تقابل المتضايفين: فهو التقابل بين أمرين وجوديين بينهما غاية المنافاة، لا يمكن إدراك أحدهما إلا بإضافة الآخر إليه؛ كالأبوة والبنوة، والفوق والتحت، والقبل والبعد، فإن كل ذات تثبت لها الأبوة لذات، استحالت عليها البنوة لتلك الذات التي هي أب لها؛ كاستحالة اجتماع السواد والبياض؛ فكون ولدك أباك مستحيل، ولا تدرك الأبوة إلا بإضافة البنوة إليها، كالعكس، وبهذا القيد حصل الفرق بين المتضايفين وبين الضدين.
[ ١٧ ]
وأما تقابل العدم والملكة: فهو التقابل بين أمرين أحدهما وجودي، والآخر عدمي، والطرف العدمي سلب للطرف الوجودي عن المحل الذي شأنه أن يتصف به؛ كالعمى والبصر، فالبصر - وهو الملكة- أمر وجودي، والعمى- وهو العدم- أمر عدمي، وهذا الطرف العدمي- الذي هو العمى-سلْب للطرف الوجودي - الذي هو ملكة البصر- عن المحل الذي من شأنه الاتصاف به؛ كسائر الحيوانات.
فلا تتوارد الملكة والعدم إلا على ما يتصف بالملكة؛ ولذا لا يسمى في الاصطلاح الحائط ولا الحجر أعمي ولا بصيرًا؛ وبهذا القيد حصل الفرق بين العدم والملكة، وبين النقيضين. أهـ. ما أملاه الأستاذ، ولكن ما كان بين قوسين، فهو من عندي، والله أعلم.
فائدة