فائدة
اللهﷻ- لا يدعى إلا بأسمائه الحسنىِ خاصة، فلا يدعي ولا يسمي بالمريد والمتكلم، وإن كان معناهما حقًا؛ فإنه يوصف بأنه مريد متكلم، ولا يسمى بهما؛ لأنهما ليسا من الأسماء الحسني؛ فإن من الكلام ما هو محمود ومذموم؛ كالصدق والكذب، ومن الإرادة كذلك، كإرادة
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان (٥٠) .
[ ٧ ]
العدل والظلم.
فائدة
كل صفة لا بد لها من محل تقوم به، وإذا قامت الصفة بمحل، فإنه يلزم منها أمران:
الأول: عود حكمها على ذلك المحل دون غيره.
الثاني: أن يشتق منها لذلك المحل اسم دون غيره.
مثال ذلك: الكلام؛ فإنه يلزم مَن أثبت كونه من صفات الله تعالى أن يشتق لله منه اسمًا دون غيره، لكن لا يلزم من ذلك أن يثبت له اسمًا بأنه متكلم كما سبق، ويلزم أن لا يجعله مخلوقًا في غيره، خلافًا للجهمية: حيث زعموا أنهم أثبتوا الكلام، وجعلوه مخلوقًا، فإنه يلزم من كلامهم نفي الكلام عن الله، كما نفاه متقدموهم.
فائدة
قال في «ص١٣٨»: فالتزموا- أي المعتزلة- لذلك: أن لا يكون لله علم، ولا قدرة، وأن لا يكون متكلمًا قام به الكلام، بل يكون القرآن وغيره من كلامه تعالى مخلوقًا خلقه في غيره، ولا يجوز أن يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا هو مباين للعالم، ولا محايثه، ولا داخل فيه، ولا خارج عنه، ثم قالوا أيضًا: لا يجوز أن يشاء خلاف ما أمَرَ به، ولا أن يخلق أفعال عباده، ولا يقدر أن يهدي ضالًا، أو يضل مهتديًا؛ لأنه لو كان قادرًا على ذلك وقد أمر به، ولم يُعن عليه، لكان قبيحًا منه، فركبوا عن هذا الأصل التكذيب بالصفات والقدرة.
إلى أن قال: وأصل ضلالهم في القدر: أنهم شبهوا الخالق بالمخلوق؛ فهم مشبهة الأفعال.
وأما أصل ضلالهم في الصفات: فظنهم أن الموصوف الذي تقوم به
[ ٨ ]
الصفات لا يكون إلا محدثًا، وقولهم من أبطل الباطل، فإنهم يسلمون أن الله حي عليم قدير، ومن المعلوم: أن حيًا بلا حياة، وعليمًا بلا علم، وقديرًا بلا قدرة، مثل متحرك بلا حركة، وأبيض بلا بياض، وأسود بلا سواد، وطويل بلا طول، وقصير بلا قصر، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة التي يدعي فيها نفي المشتق منه؛ وهذا مكابرة للعقل، والشرع، واللغة.
فائدة
ليس ما عُلِمَ إمكانه جُوِّزَ وقوعه، فإنا نعلم قدرة الله على قلب الجبال ذهبًا ونحو ذلك، لكن نعلم أنه لا يفعله، إلى غير ذلك من الأمثلة.
فائدة
دليل النبوة يحصل بالمعجزات، وقيل: باستواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض، وقيل: لا يحصل بهما، والأصح: أن المعجزة دليل، وثَمَّ دليل غيرها؛ فإن للصدق علامات، وللكذب علامات.
فمن العلامات -سوى المعجزة: - النظر إلى نوع ما يدعو إليه، بأن يكون من نوع شرع الرسول قبله، فإن الرسالة من لدن آدم إلى وقتنا هذا لم تزل آثارها باقية وذكر منها علامات كثيرة، يرحمه الله رحمةً واسعةً والمسلمين.
فائدة
إذا وجب عليه الإيمان فآمن، ولم يدرك أن يأتي بشرائع الإيمان، كان كامل الإيمان، بالنسبة إلي الواجب عليه، وإن كان ناقصًا بالنسبة لمن هو أعلى منه.
مثاله: من آمن فمات قبل الزوال مثلًا، مات مؤمنًا كامل الإيمان الواجب عليه، لكن من دخلت عليه الأوقات وصلى أكمل إيمانًا منه.
[ ٩ ]
فمن ذلك: عُلم أن نقصان الإيمان على نوعين:
أحدهما: ما يلام عليه.
الثاني: ما لالوم فيه؛ كهذا المثال.
قلت: وأما من عجز عن إكمال عمل بعد أن أتى بما قدَرَ عليه منه، فالظاهر أنه كمن فعله لقوله - ﷺ - «من مرض أو سافر، كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا» (١)، وأما إن عجز عنه أصلًا، فيحتمل أن يكون له أجر فاعله؛ لقصة الفقير الذي قال: لو أن عندي مال فلان، لعملت فيه مثل عمله، وكان يصرفه في مرضاة الله؛ قال النبي ﷺ: «فهما في الأجر سواء» (٢)، ويحتمل عكسه؛ لأن فقراء الصحابة﵃- لما قالوا للنبي ﷺ: «ذهب أهل الدثور بالأجور» (٣)، لم يقل لهم: إن نيتكم تبلغكم ذلك فتمنوا، وإنما أخبرهم بعمل بدله. ولكن يقال: إن الذي لا يقدر على عمل معين: إما أن يكون لذلك العمل بدل يقدر عليه، فهذا لا يثاب على العمل إذا لم يأت ببدله؛ لأنه لو كان صحيح النية، لعمل ذلك البدل؛ فعلى هذا: يكون حصول الأجر مشروطًا بعدم وجود بدله المقدور عليه؛ على أنا نقول: إن من نفع الناس بماله، فله أجران:
الأول: بحسب ما قام بقلبه من محبة الله ومحبة ما يقرب إليه؛ فهذا الأجر يشركه الفقير إذا نوي نية صحيحة.
والأجر الثاني: دفع حاجة المدفوع له؛ فهذا لا يحصل للفقير، والله أعلم.
_________________
(١) رواه البخاري من حديث أبي موسى، كتاب الجهاد (٢٩٩٦) .
(٢) رواه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري، كتاب الزهد (٢٣٢٥) وابن ماجه، كتاب الزهد (٤٢٢٨)، وصححه الألباني.
(٣) رواه البخاري، كتاب الأذان (٨٤٣)، ومسلم، كتاب المساجد (٥٩٥) .
[ ١٠ ]
وبذلك انتهى ما أردنا نقله من شرح الشيخ﵀- على «عقيدة الأصفهاني» .
فائدة