٥٨ - وَهِيَ الْوَقَائِعُ الَّتِي جَدَّتْ وَلَيْسَ لَهَا حُكْمٌ ظَاهِرٌ مُفَصَّلٌ فِي الْمَرَاجِعِ الْفِقْهِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي دُوِّنَتْ خِلاَل الْقُرُونِ الثَّلاَثَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ. وَقَدْ اخْتِيرَ أَنْ تُكْتَبَ فِي مُلْحَقٍ مُسْتَقِلٍّ عَنْ أَصْل الْمَوْسُوعَةِ، لِوُقُوعِ مُعْظَمِ مَرَاجِعِ هَذِهِ الْمَسَائِل خَارِجَ الإِْطَارِ الزَّمَنِيِّ لِلْمَوْسُوعَةِ، وَهِيَ فِي الْغَالِبِ ثَمَرَةُ اجْتِهَادٍ شَخْصِيٍّ جَدِيدٍ وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لأُِصُول الاِسْتِنْبَاطِ، كَمَا أَنَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى الْمُنَاقَشَاتِ وَالتَّرْجِيحِ وَالاِخْتِيَارِ، فَكَانَ لاَ بُدَّ مِنْ فَصْلِهَا عَنْ صَمِيمِ الْمَوْسُوعَةِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ تُرَاثِ الْفِقْهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ وَالَّذِي يُعْتَبَرُ أَسَاسًا لاِسْتِخْرَاجِ الْحُلُول لِلْمُشْكِلاَتِ الْعَصْرِيَّةِ فِي ضَوْءِ مَبَادِئِهِ بِطَرِيقِ الْمُشَابَهَةِ وَالتَّخْرِيجِ وَالاِسْتِنْبَاطِ الْجَدِيدِ.
وَيُطْلَقُ فِيهِ لِلْكُتَّابِ الاِسْتِمْدَادُ مِنْ شَتَّى الْمَصَادِرِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ، وَمِنْ الدَّوْرِيَّاتِ (الْمَجَلاَّتِ بِأَنْوَاعِهَا) وَالرَّسَائِل الْجَامِعِيَّةِ الْمُتَخَصِّصَةِ، وَمَا يَصْدُرُ عَنْ الْمَجَامِعِ وَالْمُؤْتَمَرَاتِ الإِْسْلاَمِيَّةِ. فَضْلًا عَمَّا جَاءَ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
[ ١ / ٦١ ]
وَفِي هَذَا الْمَجَال سَيَكُونُ لِلْمُخْتَصِّينَ فِي شَتَّى الْعُلُومِ دَوْرٌ أَسَاسِيٌّ لِتَقْدِيمِ التَّصَوُّرِ الصَّحِيحِ لِلْوَقَائِعِ الْمَبْحُوثِ فِيهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ نَظَرِيَّةً (اقْتِصَادِيَّةً أَوِ اجْتِمَاعِيَّةً. .) أَمْ تَجْرِيبِيَّةً (طِبِّيَّةً أَوْ عِلْمِيَّةً. .) لأَِنَّ لِذَلِكَ أَثَرَهُ فِي إِعْطَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، فَالْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، وَصِحَّةُ الْحُكْمِ تَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ التَّصَوُّرِ، فَكَثِيرٌ مِنْ الاِخْتِلاَفِ يَنْشَأُ مِنْ عَدَمِ تَحْدِيدِ التَّصَوُّرِ، أَوِ الْخَطَأِ فِيهِ، أَوِ الاِسْتِنَادِ إِلَى أَعْرَافٍ تَغَيَّرَتْ أَوْ وَسَائِل مَدَنِيَّةٍ تَطَوَّرَتْ. . . وَبِانْتِهَاءِ هَذَا الدَّوْرِ تَأْتِي مُهِمَّةُ اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي تُنَاطُ بِكُل مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ مُبَيَّنَةٌ فِي مَوَاطِنِهَا عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الاِجْتِهَادِ وَالإِْفْتَاءِ.
وَسَيَكُونُ هَذَا الْمُلْحَقُ عُرْضَةً لِلتَّعْدِيل وَالتَّنْقِيحِ، عَلَى الْعَكْسِ مِنْ التُّرَاثِ الْفِقْهِيِّ الْمَنْقُول وَالْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُبَاشَرَةً أَوْ فِي عُصُورِ الاِجْتِهَادِ حَسَبَ أُصُول الْفِقْهِ الْمَوْثُوقِ بِهَا عَلَى مَدَى الْعُصُورِ، أَمَّا مَا يَتَضَمَّنُهُ الْمُلْحَقُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ يَخْضَعُ فِيهَا لِلنَّقْدِ وَالتَّمْحِيصِ قَبْل ضَمِّهِ إِلَى صَمِيمِ الْمَوْسُوعَةِ.
وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ الْوَسَائِل الضَّرُورِيَّةِ لإِغْنَاءِ هَذَا الْجَانِبِ وَإِتْقَانِهِ عَقْدُ مُؤْتَمَرَاتٍ لِلْفُقَهَاءِ الْمُعَاصِرِينَ لِلْوُقُوفِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ آرَاءٍ شَرْعِيَّةٍ فِي الْمُشْكِلاَتِ وَالْقَضَايَا الْعَصْرِيَّةِ، وَقَدْ يَقْتَضِي إِنْجَازُ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ تَكْوِينَ مَجْمَعٍ فِقْهِيٍّ ذِي دَوْرَاتٍ مُنْتَظِمَةٍ.