٤ - لَمَّا كَانَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الأَْوْلاَدِ عَظِيمًا، فَقَدْ نَزَل بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَوَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، وَيَقْضِي ذَلِكَ بِلُزُومِ بِرِّهِمَا وَطَاعَتِهِمَا وَرِعَايَةِ شُئُونِهِمَا وَالاِمْتِثَال لأَِمْرِهِمَا، فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَنَظَرًا لِقِيَامِ الأُْمِّ بِالْعِبْءِ الأَْكْبَرِ فِي تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ اخْتَصَّهَا الشَّارِعُ بِمَزِيدٍ مِنَ الْبِرِّ، بَعْدَ أَنْ أَوْصَى بِبِرِّهِمَا، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ . (٢)
_________________
(١) المهذب ٢ / ٢٣٠، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج ٩ / ٢٣٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٥١٣، والمغني ٨ / ٣٥٩ ط الرياض الحديثة، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ١٧٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠ / ٢٤٠.
(٢) سورة لقمان / ١٤.
[ ٨ / ٦٧ ]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمُّكَ قَال: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أَبُوكَ. (١)
وَقَوْلُهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِالأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ. (٢)
وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ حَقًّا عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَال: زَوْجُهَا. قُلْتُ: فَعَلَى الرَّجُل؟ قَال أُمُّهُ. (٣)
فَفِيمَا ذُكِرَ - وَغَيْرُهُ كَثِيرٌ - مِمَّا سَبَقَ بَيَانُهُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْزِلَةِ الأَْبَوَيْنِ، وَتَقْدِيمِ الأُْمِّ فِي الْبِرِّ عَلَى الأَْبِ فِي ذَلِكَ؛ لِصُعُوبَةِ الْحَمْل، ثُمَّ الْوَضْعِ وَآلاَمِهِ، ثُمَّ الرَّضَاعِ وَمَتَاعِبِهِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ تَنْفَرِدُ بِهَا الأُْمُّ وَتَشْقَى بِهَا، ثُمَّ تُشَارِكُ الأَْبَ فِي التَّرْبِيَةِ،
_________________
(١) حديث: " من أحق بحسن صحابتي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٠١ـ ط السلفية) .
(٢) حديث: " إن الله يوصيكم بأمهاتكم. . . " أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٢٦ - ط السلفية) والحاكم (٤ / ٢٥١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) حديث عائشة: " أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ . . . " أخرجه الحاكم (٤ / ١٥٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده جهالة، ميزان الاعتدال الذهبي (٤ / ٥٤٩ - ط الحلبي) .
[ ٨ / ٦٧ ]
فَضْلًا عَنْ أَنَّ الأُْمَّ أَحْوَجُ إِلَى الرِّعَايَةِ مِنَ الأَْبِ، وَلاَ سِيَّمَا حَال الْكِبَرِ. (١)
وَفِي تَقْدِيمِ هَذَا الْحَقِّ أَيْضًا: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَلَدِ لأَِبَوَيْهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ إِلاَّ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا، فَتُقَدَّمُ الأُْمُّ عَلَى الأَْبِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، (٢) وَذَلِكَ لِمَا لَهَا مِنْ مَشَقَّةِ الْحَمْل وَالرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ وَزِيَادَةِ الشَّفَقَةِ، وَأَنَّهَا أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ. هَذَا مَا لَمْ يَتَعَارَضَا فِي بِرِّهِمَا.
٥ - فَإِنْ تَعَارَضَا فِيهِ، بِأَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ أَحَدِهِمَا مَعْصِيَةُ الآْخَرِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ: إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَأْمُرُ بِطَاعَةٍ وَالآْخَرُ يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ الآْمِرَ بِالطَّاعَةِ مِنْهُمَا دُونَ الآْمِرِ بِالْمَعْصِيَةِ، فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ. لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (٣) وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَاحِبَهُ بِالْمَعْرُوفِ لِلأَْمْرِ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠ / ٤٠١ - ٤٠٢، وشرح إحياء علوم الدين للغزالي ٦ / ٣١٥، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي ٢ / ٧١ ط دائرة المعارف، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤ / ٦٣ـ ٦٥.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٦٧٣، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨٤، وروضة الطالبين ٩ / ٩٥، والمكتب الإسلامي والمغني لابن قدامة ٧ / ٥٩٤ ط الرياض الحديثة.
(٣) حديث: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " أورده بهذا اللفظ اللهيثمي في المجمع وقال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح مجمع الزوائد (٥ / ٢٢٦ - ط القدسي) .
[ ٨ / ٦٨ ]
الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، إِلاَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
أَمَّا إِنْ تَعَارَضَ بِرُّهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ إِيصَال الْبِرِّ إِلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَقَدْ قَال الْجُمْهُورُ: طَاعَةُ الأُْمِّ مُقَدَّمَةٌ؛ لأَِنَّهَا تَفْضُل الأَْبَ فِي الْبِرِّ. (٢) وَقِيل: هُمَا فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَال لِمَالِكٍ: وَالِدِي فِي السُّودَانِ، كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ، وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ، فَقَال لَهُ مَالِكٌ: أَطِعْ أَبَاكَ وَلاَ تَعْصِ أُمَّكَ. يَعْنِي أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي رِضَى أُمِّهِ بِسَفَرِهِ لِوَالِدِهِ، وَلَوْ بِأَخْذِهَا مَعَهُ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَعَدَمِ عِصْيَانِ أُمِّهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ حِينَ سُئِل عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا قَال: أَطِعْ أُمَّكَ، فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ. كَمَا حَكَى الْبَاجِيُّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا، فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ابْنَهَا: بِأَنْ يَتَوَكَّل لَهَا عَلَى أَبِيهِ، فَكَانَ يُحَاكِمُهُ، وَيُخَاصِمُهُ فِي الْمَجَالِسِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الأُْمِّ. وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، قَال: لأَِنَّهُ عُقُوقٌ لِلأَْبِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا دَل عَلَى أَنَّ بِرَّهُ أَقَل مِنْ بِرِّ الأُْمِّ، لاَ أَنَّ الأَْبَ يُعَقُّ. وَنَقَل الْمُحَاسِبِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الأُْمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ عَلَى الأَْبِ. (٣)
_________________
(١) سورة لقمان / ١٥.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٣٨٤.
(٣) الفروق للقرافي ١ / ١٤٣، وتهذيب الفروق بهامشه ص ١٦١، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠ / ٤٠٢ - ٤٠٣.
[ ٨ / ٦٨ ]