٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ أَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ - وَهُوَ لَحْمُ الإِْبِل - لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ لاَ مِمَّا دَخَل (٢)، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ قَال: كَانَ آخِرُ الأَْمْرَيْنِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ (٣) وَلأَِنَّهُ مَأْكُولٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولاَتِ.
وَهَذَا الْقَوْل مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي طَلْحَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ، وَبِهِ قَال جُمْهُورُ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ
_________________
(١) ابن عابدين ١ / ٢١٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٥١، ومغني المحتاج ١ / ٧٩، وكشاف القناع ١ / ١٩٤. وحديث: " أن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤١ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " الوضوء مما خرج لا مما دخل. . . " أخرجه الدارقطني (١ / ١٥١ - ط شركة الطباعة الفنية) وقال ابن حجر: وفي إسناده الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدا، ونقل عن ابن عدي أنه قال: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف
(٣) حديث جابر: " كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار " أخرجه أبو داود (١ / ١٣٣ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن خزيمة (١ / ٢٨ - ط المكتب الإسلامي)
[ ٨ / ٤٢ ]
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْل لَحْمِ الْجَزُورِ عَلَى كُل حَالٍ، نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا.
وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى. وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو طَلْحَةَ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى تَرْجِيحِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الإِْبِل، فَقَال: تَوَضَّئُوا مِنْهَا، وَسُئِل عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، فَقَال: لاَ يُتَوَضَّأُ مِنْهَا (١) وَبِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإِْبِل، وَلاَ تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ. (٢)
أَمَّا أَلْبَانُ الإِْبِل، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِشُرْبِهَا:
إِحْدَاهُمَا: يُنْقَضُ الْوُضُوءُ؛ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ
_________________
(١) حديث: " سئل عن لحوم الإبل ولحوم الغنم. . " أخرجه أبو دواد (١ / ١٢٨ - ط عزت عبيد دعاس) وابن خزيمة (١ / ٢٢ - ط المكتب الإسلامي) . وقال: لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه
(٢) حديث: " توضئوا من لحوم الإبل. . . . " أخرجه ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (١ / ١٦٦) وفي إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة، ورجاله ثقات، وخالد بن عمر مجهول الحال
[ ٨ / ٤٣ ]
حُضَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الإِْبِل وَأَلْبَانِهَا. (١)
وَالثَّانِيَةُ: لاَ وُضُوءَ فِيهِ؛ لأَِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي اللَّحْمِ، وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْل صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ. (٢)