٢ - اهْتَمَّ الإِْسْلاَمُ بِالْوَالِدَيْنِ اهْتِمَامًا بَالِغًا. وَجَعَل طَاعَتَهُمَا وَالْبِرَّ بِهِمَا مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ. وَنَهَى عَنْ عُقُوقِهِمَا وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ التَّشْدِيدِ. كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٢)، فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَجَعَل بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِذَلِكَ، وَالْقَضَاءُ هُنَا: بِمَعْنَى الأَْمْرِ وَالإِْلْزَامِ وَالْوُجُوبِ.
كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣) . فَالشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الإِْيمَانِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ. وَقَال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ صَلَّى
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠ / ٢٤١.
(٢) سورة الإسراء / ٢٣، ٢٤.
(٣) سورة لقمان / ١٤.
[ ٨ / ٦٤ ]
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَهُمَا.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الأَْعْمَال أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿؟ قَال: الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَال: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ (١) . فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَل الأَْعْمَال بَعْدَ الصَّلاَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ دَعَائِمِ الإِْسْلاَمِ. (٢)
وَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ؛ لأَِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، وَلاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ. فَقَدْ قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي. فَقَال: أَطِعْ أَبَوَيْكَ، فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ (٣) .
وَالْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَقْوَى مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ. وَفِي خُصُوصِ ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْغَزْوِ.
_________________
(١) حديث ابن مسعود: " أي الأعمال أحب إلى الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٠٠ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٩٠ - ط الحلبي) .
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠ / ٢٣٧ـ ٢٣٨.
(٣) المهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٣٠.
[ ٨ / ٦٤ ]
فَقَال: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَال: نَعَمْ. قَال فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ. (١)
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ فَقَال: ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا. (٢)
وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ. فَقَال: هَل لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ قَال: أَبَوَايَ. قَال: أَذِنَا لَكَ؟ قَال: لاَ. قَال: فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا. (٣)
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا. وَإِلاَّ أَصْبَحَ خُرُوجُهُ فَرْضَ عَيْنٍ؛ إِذْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَمِيعِ الدَّفْعُ وَالْخُرُوجُ لِلْعَدُوِّ. (٤) وَإِذَا كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضَ عَيْنٍ، فَإِنَّ خِلاَفَهُ
_________________
(١) حديث: " ففيهما فجاهد. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٠٣ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " أرجع إليهما فأضحكهما. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٨ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (٤ / ١٥٢ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: " هل لك أحد باليمن. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٩ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ١٠٣ـ ١٠٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: ودراج واه. يعني الذي في إسناده، وتقدم شاهد.
(٤) فتح القدير على الهداية ٥ / ١٤٩، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠ / ٢٤٠.
[ ٨ / ٦٥ ]
يَكُونُ حَرَامًا، مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرٍ بِشِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ، حَيْثُ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. (١)