٢٢ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ مَا يُشْتَرَطُ لِبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنَ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بَدَنًا وَثَوْبًا وَمَكَانًا، وَالْحُكْمِيَّةُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةُ، سِوَى الْوَقْتِ.
وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا مَا يَلِي:
أَوَّلُهَا: إِسْلاَمُ الْمَيِّتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُصَل عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ . (٢)
وَالثَّانِي: طَهَارَتُهُ مِنْ نَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ وَحَقِيقِيَّةٍ فِي الْبَدَنِ، فَلاَ تَصِحُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُغَسَّل، وَلاَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا الشَّرْطُ عِنْدَ
_________________
(١) التنبيه / ٣٨، والأم ١ / ٢٤٠، والمحلي على المنهاج ١ / ٣٣٠، وغاية المنتهى ١ / ٢٤٢، ٢٤٣، ومقدمات ابن رشد ١ / ١٧١، والشرح الصغير ١ / ٢٢٣.
(٢) سورة التوبة / ٨٤.
[ ١٦ / ١٨ ]
الإِْمْكَانِ فَلَوْ دُفِنَ بِلاَ غُسْلٍ وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُهُ إِلاَّ بِالنَّبْشِ سَقَطَ الْغُسْل وَصُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ بِلاَ غُسْلٍ لِلضَّرُورَةِ (هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصَحَّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إِلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهَا بِلاَ غُسْلٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ) بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يُهَل عَلَيْهِ التُّرَابُ، فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ بِلاَ غُسْلٍ جَهْلًا مَثَلًا، ثُمَّ دُفِنَ وَلاَ يُخْرَجُ إِلاَّ بِالنَّبْشِ أُعِيدَتِ الصَّلاَةُ عَلَى قَبْرِهِ اسْتِحْسَانًا، وَيُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْكَفَنِ إِلاَّ إِذَا شَقَّ ذَلِكَ؛ لِمَا فِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى مِنْ أَنَّهُ إِنْ تَنَجَّسَ الْكَفَنُ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ لاَ يَضُرُّ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ، بِخِلاَفِ الْكَفَنِ الْمُتَنَجِّسِ ابْتِدَاءً.
وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ بَدَنُهُ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ قَبْل أَنْ يُكَفَّنَ غُسِّلَ، وَبَعْدَهُ لاَ. وَأَمَّا طَهَارَةُ مَكَانِ الْمَيِّتِ، فَفِي الْهِنْدِيَّةِ وَالْفَوَائِدِ التَّاجِيَّةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَفِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ وَالْقُنْيَةِ أَنَّهَا شَرْطٌ، فَإِذَا كَانَ الْمَكَانُ نَجِسًا، وَكَانَ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ (النَّعْشِ) تَجُوزُ الصَّلاَةُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الأَْرْضِ فَفِي الْفَوَائِدِ لاَ يَجُوزُ، (وَمَال إِلَى الْجَوَازِ قَاضِي خَانْ) وَجَزَمَ فِي الْقُنْيَةِ بِعَدَمِهِ.
وَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ الْكَفَنَ حَائِلٌ بَيْنَ الْمَيِّتِ وَالنَّجَاسَةِ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ الْكَفَنَ تَابِعٌ فَلاَ يُعَدُّ حَائِلًا. وَالْحَاصِل أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَكَانِ الْمَيِّتِ الأَْرْضَ، وَكَانَ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ، فَعَدَمُ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الأَْرْضِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ
[ ١٦ / ١٩ ]
الْمُرَادُ الْجِنَازَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَخْتَلِفُ الأَْقْوَال فِيهِ كَمَا اخْتَلَفَتْ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مَوْضُوعًا عَلَى الأَْرْضِ النَّجِسَةِ) . (١)
قَال فِي الْقُنْيَةِ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ فِي ثَوْبٍ وَبَدَنٍ وَمَكَانٍ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطَانِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالإِْمَامِ جَمِيعًا، فَلَوْ أَمَّ بِلاَ طَهَارَةٍ، وَالْقَوْمُ بِهَا أُعِيدَتْ، وَبِعَكْسِهِ لاَ؛ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِصَلاَةِ الإِْمَامِ.
وَالثَّالِثُ: تَقْدِيمُ الْمَيِّتِ أَمَامَ الْقَوْمِ فَلاَ تَصِحُّ عَلَى مَيِّتٍ مَوْضُوعٍ خَلْفَهُمْ.
وَالرَّابِعُ: حُضُورُهُ أَوْ حُضُورُ أَكْثَرِ بَدَنِهِ أَوْ نِصْفِهِ مَعَ رَأْسِهِ.
وَالْخَامِسُ: وَضْعُهُ عَلَى الأَْرْضِ أَوْ عَلَى الأَْيْدِي قَرِيبًا مِنْهَا.
وَالسَّادِسُ: سَتْرُ عَوْرَتِهِ - هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ.
وَالسَّابِعُ: قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: بَقِيَ مِنَ الشُّرُوطِ بُلُوغُ الإِْمَامِ، فَلَوْ أَمَّ صَبِيٌّ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَجُوزَ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لأَِنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْل أَدَاءِ الْفَرَائِضِ. وَلَكِنْ نُقِل فِي الأَْحْكَامِ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى سُقُوطُ الْفَرْضِ بِفِعْلِهِ.
_________________
(١) صرح في الفوائد التاجية أن طهارة مكان الميت ليست بشرط كما في البحر ٣ / ١٧٩، وفي مراقي الفلاح ص ٣٤٠ وما بعدها صرح باشتراطها.
[ ١٦ / ١٩ ]
وَالثَّامِنُ: مُحَاذَاةُ الإِْمَامِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ وَاحِدًا، وَأَمَّا إِذَا كَثُرَتِ الْمَوْتَى فَيَجْعَلُهُمْ صَفًّا وَيَقُومُ عِنْدَ أَفْضَلِهِمْ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الأَْقْرَبُ كَوْنُ الْمُحَاذَاةِ شَرْطًا.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَ الإِْمَامُ الْمَيِّتَ فَإِنْ لَمْ يُسَامِتْهُ كُرِهَ، وَفِي تَعْلِيقِ الْغَايَةِ: لَعَلَّهُ مَا لَمْ يَفْحُشْ عُرْفًا، فَلاَ تَصِحُّ إِنْ فَحُشَ. (١)
٢٣ - وَقَدْ وَافَقَ الْحَنَابِلَةُ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى اشْتِرَاطِ إِسْلاَمِ الْمَيِّتِ وَطَهَارَتِهِ، وَسَتْرِ عَوْرَتِهِ، وَحُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمَيِّتِ، وَعَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُصَلِّي مُكَلَّفًا، وَاجْتِنَابِهِ النَّجَاسَةَ، وَاسْتِقْبَالِهِ الْقِبْلَةَ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالنِّيَّةِ، مِنَ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمُصَلِّي.
وَخَالَفُوهُمْ فِي اشْتِرَاطِ حُضُورِ الْجِنَازَةِ فَجَوَّزُوا الصَّلاَةَ عَلَى غَائِبٍ عَنْ بَلَدٍ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، أَوْ فِي غَيْرِ قِبْلَتِهِ، وَعَلَى غَرِيقٍ وَأَسِيرٍ وَنَحْوِهِ، إِلَى شَهْرٍ بِالنِّيَّةِ، وَأَمَّا مَا اشْتَرَطُوهُ مِنْ حُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، فَمَعْنَاهُ أَنْ لاَ تَكُونَ الْجِنَازَةُ مَحْمُولَةً، وَلاَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، كَحَائِطٍ قَبْل دَفْنٍ، وَلاَ فِي تَابُوتٍ مُغَطًّى.
وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّةُ الْحَنَابِلَةَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ حُضُورِهِ، وَتَجْوِيزِ الصَّلاَةِ عَلَى الْغَائِبِ، وَوَافَقَتِ الْمَالِكِيَّةُ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى اشْتِرَاطِ حُضُورِهِ، وَأَمَّا
_________________
(١) القنية ١ / ٢١٤.
[ ١٦ / ٢٠ ]
وَضْعُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّي بِحَيْثُ يَكُونُ عِنْدَ مَنْكِبَيِ الْمَرْأَةِ وَوَسَطِ الرَّجُل فَمَنْدُوبٌ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، إِلاَّ أَنَّ مُحَاذَاةَ الإِْمَامِ بِجُزْءٍ مِنَ الْمَيِّتِ شَرْطٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الْحَنَفِيَّةَ فِي اشْتِرَاطِ وَضْعِهِ عَلَى الأَْرْضِ، فَقَالُوا: تَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَى الْمَحْمُول عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ، أَوْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ. وَانْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ الإِْمَامَةِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَصَرَّحَ غَيْرُهُ بِصِحَّةِ صَلاَةِ الْمُنْفَرِدِ عَلَيْهِ، فَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ إِنْ صَلَّى عَلَيْهَا مُنْفَرِدًا أُعِيدَتْ نَدْبًا جَمَاعَةً.
وَالْوَاجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ التَّسْلِيمُ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ التَّسْلِيمُ مَرَّةً وَاحِدَةً رُكْنٌ، قَالُوا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ فِي الصَّلاَةِ. (١)
وَوَرَدَ التَّسْلِيمُ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى الْجِنَازَةِ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ مَسْنُونَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (٢)
_________________
(١) حديث: " وتحليلها التسليم " أخرجه أبو داود (١ / ٤٩ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٢ / ٣ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (١ / ٢٧٥ ط عيسى الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب، وقال الترمذي حديث حسن.
(٢) غاية المنتهى ١ / ٢٤٣، وكشاف القناع ١ / ١١٦.
[ ١٦ / ٢٠ ]
٢٤ - وَأَمَّا سُنَنُهَا فَتَفْصِيلُهَا كَمَا يَلِي:
الأُْولَى: قِيَامُ الإِْمَامِ بِحِذَاءِ صَدْرِ الْمَيِّتِ ذَكَرًا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ أُنْثَى سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي حَوَاشِي الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى الْمَرَاقِي مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ سُنَنٌ بَل لَهَا مُسْتَحَبَّاتٌ، مِنْهَا وُقُوفُ الإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ حِذَاءَ وَسَطِ الرَّجُل، وَمَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُمَا يَقُومَانِ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُل، وَعِنْدَ عَجُزِ الْمَرْأَةِ أَوِ الْخُنْثَى، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُل، وَوَسَطِ الأُْنْثَى، وَسُنَّ ذَلِكَ مِنْ خُنْثَى.
الثَّانِيَةُ: الثَّنَاءُ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلاَّل مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالطَّحَاوِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ اسْتِفْتَاحَ مِنْهُ وَلَكِنِ النَّقْل وَالْعَادَةُ أَنَّهُمْ يَسْتَفْتِحُونَ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الاِفْتِتَاحِ.
وَقَال فِي " سَكْبِ الأَْنْهُرِ " الأَْوْلَى تَرْكُ: " وَجَل ثَنَاؤُكَ " إِلاَّ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: مُقْتَضَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حُصُول السُّنَّةِ بِأَيِّ صِيغَةٍ مِنْ صِيَغِ الْحَمْدِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ ثَنَاءَ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى، وَلَكِنِ ابْتِدَاءُ الدُّعَاءِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلاَةِ عَلَى
[ ١٦ / ٢١ ]
النَّبِيِّ ﷺ مَنْدُوبٌ، أَيْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: لاَ يَسْتَفْتِحُ.
وَجَاءَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِقَصْدِ الثَّنَاءِ كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَقَال عَلِيٌّ الْقَارِي: يُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهَا بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ خُرُوجًا مِنَ الْخِلاَفِ (١) .
الثَّالِثَةُ: وَمِنَ السُّنَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ؛ لأَِنَّ تَقْدِيمَ الصَّلاَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَتَقْدِيمَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمَا سُنَّةٌ، قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الدُّعَاءِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ ﵊: اجْعَلُونِي فِي أَوَّل الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَنْدُوبَةٌ عَقِبَ كُل تَكْبِيرَةٍ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الدُّعَاءِ، بِأَنْ يَقُول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كَمَا يَدْعُو كَمَا
_________________
(١) مراقي الفلاح ص ٣٤٠ وابن عابدين ١ / ٦١٠، ٦١٥، غاية المنتهى ١ / ٢٤١، والشرح الصغير ٢ / ٢٢٣.
(٢) حديث: " اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره " أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن جابر وضعفه. (كنز العمال ١ / ٥٠٩ ط مكتبة التراث الإسلامي) .
[ ١٦ / ٢١ ]
سَيَأْتِي (١)، وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ رُكْنٌ كَمَا مَرَّ.
٢٥ - الرَّابِعَةُ: وَمِنَ السُّنَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ دُعَاءُ الْمُصَلِّي لِلْمَيِّتِ وَلِنَفْسِهِ (وَإِذَا دَعَا لِنَفْسِهِ قَدَّمَ نَفْسَهُ عَلَى الْمَيِّتِ لأَِنَّ مِنْ سُنَّةِ الدُّعَاءِ أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ) وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ، وَلاَ يَتَعَيَّنُ لِلدُّعَاءِ شَيْءٌ سِوَى كَوْنِهِ بِأُمُورِ الآْخِرَةِ، وَلَكِنْ إِنْ دَعَا بِالْمَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَبْلَغُ لِرَجَاءِ قَبُولِهِ.
فَمِنَ الْمَأْثُورِ مَا حَفِظَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ. (٢)
وَفِي الأَْصْل رِوَايَاتٌ أُخَرُ، مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ:
_________________
(١) راجع لجميع ما في هذا الفصل الشرح الصغير في فقه المالكية، وشرح البهجة، والأم ومختصر المزني في فقه الشافعية، وغاية المنتهى والمقنع ونيل المآرب في فقه الحنابلة.
(٢) حديث: " اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٢ - ٦٦٣ ط عيسى الحلبي) من حديث عوف بن مالك.
[ ١٦ / ٢٢ ]
﴿اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا. (١)
(وَزَادَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلاَّ النَّسَائِيُّ) اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِْيمَانِ (٢) . وَفِي رِوَايَةٍ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ. (٣)
فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا، وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا وَمُشَفَّعًا مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ كَمَا هُوَ فِي مُتُونِ الْمَذْهَبِ، أَوْ بَعْدَ
_________________
(١) حديث: " اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٨٠ ط عيسى الحلبي) والبيهقي (٤ / ٤١ ط دار المعرفة) وأبو داود (٣ / ٥٣٩ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٣٣٤ - ٣٣٥ ط مصطفى الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) حديث: " اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٣٥ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (١ / ٤٨٠ ط عيسى الحلبي) قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣ / ٣٣ ط دار الكتاب العربي) .
(٣) حديث: " اللهم من كان محسنا فزد في إحسانه. . . " أخرجه مالك في الموطأ (ص ١٨٢ - ١٨٣ ط دار الآفاق) موقوفا على أبي هريرة بإسناد صحيح وله شاهد مرفوع عند أبي يعلى. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣ / ٣٣ ط دار الكتاب العربي) .
[ ١٦ / ٢٢ ]
الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي حَوَاشِي الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى الْمَرَاقِي وَغَيْرِهَا.
وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلًا اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا. (١)
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ يَأْتِي بِأَيِّ دُعَاءٍ شَاءَ، وَقَال فِي الدُّرِّ: لاَ يَسْتَغْفِرُ فِيهَا لِصَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ، وَمَعْتُوهٍ؛ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، وَلاَ يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ: " وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا " لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الاِسْتِيعَابُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوِ اسْتَمَرَّ مَجْنُونًا قَال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ - إِلَخْ وَظَاهِرُهُ الاِقْتِصَارُ عَلَيْهِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ يَكُونُ بَدَل الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ لِلْبَالِغِينَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، فَكَأَنَّ أَقْوَال الأَْرْبَعَةِ اتَّفَقَتْ فِي الدُّعَاءِ لِلصَّغِيرِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ. (٢)