٣٠ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الإِْمَامَ يَقُومُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ مِنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَوَاقِفِ الإِْمَامِ مِنَ الْمَيِّتِ لِلصَّلاَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَفَ فِي غَيْرِهِ جَازَ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: يَقُومُ بِحِذَاءِ الْوَسَطِ مِنَ الرَّجُل، وَبِحِذَاءِ الصَّدْرِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
_________________
(١) الهندية، والمغني ٢ / ٤٨٢ ط الرياض، وغاية المنتهى ١ / ٢٤٠، وفتح الباري ٣ / ١٢١. وحديث: " من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب " أخرجه أبو داود (٣ / ٥١٤ - ٥١٥ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٣٣٨ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (١ / ٤٧٨ ط عيسى الحلبي) من حديث مالك بن هبيرة. واللفظ للترمذي، وقال: حديث حسن.
[ ١٦ / ٢٧ ]
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُنْدَبُ أَنْ يَقِفَ الإِْمَامُ وَسْطَ الذَّكَرِ وَحَذْوَ مَنْكِبَيْ غَيْرِهِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الإِْمَامَ يَقُومُ نَدْبًا عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُل، وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَنَسًا صَلَّى عَلَى رَجُلٍ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَعَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا، فَقَال لَهُ الْعَلاَءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا كَانَتْ صَلاَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا وَعَلَى الرَّجُل عِنْدَ رَأْسِهِ؟ قَال: نَعَمْ (١) قَالُوا: لأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي صِيَانَةِ الْمَرْأَةِ عَنِ الْبَاقِينَ. فَإِنْ وَقَفَ مِنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ جَازَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ، وَقِيل عِنْدَ رَأْسِهِ، وَوَسَطِ امْرَأَةٍ، وَبَيْنَ الصَّدْرِ وَالْوَسَطِ مِنَ الْخُنْثَى، لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ وَسَطَ السَّرِيرِ (٢) .
٣١ - وَيَنْوِي الإِْمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَمَنْ خَلْفَهُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ. وَعَلَيْهِ الْعَمَل عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ كَمَا
_________________
(١) حديث: " هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ على المرأة " أخرجه أبو داود (٣ / ٥٣٣ - ٥٣٤ ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٣٤٣ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (١ / ٤٧٩ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس، وقال الترمذي: (حديث حسن) .
(٢) الهندية ١ / ١٦١، وغاية المنتهى ١ / ٣٤٣، والدسوقي ١ / ٤١٤، والمجموع ٥ / ٢٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٣٤١، والقليوبي ١ / ٣٣١، وكشاف القناع ٢ / ١١٢.
[ ١٦ / ٢٧ ]
قَال التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ - وَلَوْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا لَمْ تَجُزْ صَلاَتُهُ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ كَبَّرَ الإِْمَامُ خَمْسًا لَمْ يُتْبَعْ؛ لأَِنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَلَكِنْ يُنْتَظَرُ سَلاَمُهُ فِي الْمُخْتَارِ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ عَلَى الأَْصَحِّ، وَفِي رِوَايَةٍ يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ إِذَا كَبَّرَ إِمَامُهُ التَّكْبِيرَةَ الزَّائِدَةَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَبَّرَ الإِْمَامُ خَمْسًا لَمْ يُتَابِعْهُ الْمَأْمُومُ فِي الْخَامِسَةِ، بَل يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ، وَخِلاَفُ الأَْصَحِّ أَنَّهُ لَوْ تَابَعَهُ لَمْ يَضُرَّ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الأَْوْلَى أَنْ لاَ يُزَادَ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ وَيُتَابِعُ إِمَامَهُ فِيمَا زَادَ إِلَى سَبْعٍ فَقَطْ، وَيَحْرُمُ سَلاَمٌ قَبْلَهُ، إِنْ جَاوَزَ سَبْعًا.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِذَا كَبَّرَ الأُْولَى مَعَ رَفْعِ يَدَيْهِ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ كَمَا مَرَّ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا كَبَّرَ الأُْولَى تَعَوَّذَ وَسَمَّى وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ قِرَاءَةٌ.
وَإِذَا كَبَّرَ الثَّانِيَةَ يَأْتِي بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ الصَّلاَةُ الإِْبْرَاهِيمِيَّةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي الْقَعْدَةِ الأَْخِيرَةِ مِنْ ذَوَاتِ الرُّكُوعِ، وَإِذَا كَبَّرَ الثَّالِثَةَ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ وَلاَ دُعَاءَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ
_________________
(١) المصادر السابقة.
[ ١٦ / ٢٨ ]
الْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَقِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَقُول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً. . .﴾ إِلَخْ (١) وَقِيل: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ إِلَخْ (٢)، وَقِيل: يُخَيَّرُ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالدُّعَاءِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَدْعُو بَعْدَ الرَّابِعَةِ أَيْضًا - ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً أَوْ تَسْلِيمَتَيْنِ عَلَى الْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ. وَيَنْوِي التَّسْلِيمَ عَلَى الْمَيِّتِ مَعَ الْقَوْمِ كَمَا فِي الدُّرِّ وَمَرَاقِي الْفَلاَحِ. وَفِي الْهِنْدِيَّةِ: لاَ يَنْوِي التَّسْلِيمَ عَلَى الْمَيِّتِ.
وَلاَ يَجْهَرُ بِمَا يَقْرَأُ عَقِبَ كُل تَكْبِيرَةٍ سَوَاءٌ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَيْلًا كَانَتِ الصَّلاَةُ أَوْ نَهَارًا.
وَهَل يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّسْلِيمِ؟ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ لاَ يَرْفَعُ؛ لأَِنَّهُ لِلإِْعْلاَمِ وَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ مَشْرُوعٌ عَقِبَ التَّكْبِيرِ بِلاَ فَصْلٍ، لَكِنِ الْعَمَل عَلَى خِلاَفِهِ، وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: يَجْهَرُ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ سَلَّمَ حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ، قَال مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَيُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَيُسْمِعُ مَنْ يَلِيهُ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّهُ لاَ يَجْهَرُ كُل الْجَهْرِ وَلاَ يُسِرُّ كُل الإِْسْرَارِ.
_________________
(١) سورة البقرة / ٢٠١.
(٢) سورة آل عمران / ٨.
[ ١٦ / ٢٨ ]
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجْهَرُ الإِْمَامُ بِالتَّسْلِيمِ بِقَدْرِ التَّسْمِيعِ، وَيُنْدَبُ لِغَيْرِ الإِْمَامِ إِسْرَارُهَا. (١)
وَقَال النَّوَوِيُّ: قَال جُمْهُورُهُمْ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً. وَاخْتَلَفُوا هَل يَجْهَرُ الإِْمَامُ بِالتَّسْلِيمِ؟ فَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولاَنِ: يَجْهَرُ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَال مَالِكٌ فِي السَّلاَمِ عَلَى الْجَنَائِزِ: يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ خَلْفَ الإِْمَامِ وَهُوَ دُونَ سَلاَمِ الإِْمَامِ، تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً لِلإِْمَامِ وَغَيْرِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ يُسَلِّمُ الإِْمَامُ وَاحِدَةً قَدْرَ مَا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ، وَيُسَلِّمُ مَنْ وَرَاءَهُ وَاحِدَةً فِي أَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ أَسْمَعُوا مَنْ يَلِيهِمْ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ: يُسَلِّمُ بِلاَ تَشَهُّدٍ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجُوزُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَيَجُوزُ ثَانِيَةٌ.
وَلاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي غَيْرِ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخَ اخْتَارُوا الرَّفْعَ فِي كُل تَكْبِيرَةٍ.
وَبِهِ قَال مَالِكٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ لاَ تُرْفَعُ الأَْيْدِي فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إِلاَّ فِي أَوَّل تَكْبِيرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ الأَْرْبَعِ.
_________________
(١) ابن عابدين ١ / ٦١١، ومغني المحتاج ١ / ٣٤١، وكشاف القناع ٢ / ١١٢، والطحطاوي على المراقي ٢٤٢، وشرح مسلم ١ / ٣٠٩، والشرح الصغير ١ / ٥٥٦.
[ ١٦ / ٢٩ ]
وَالرَّاجِحُ فِي مَذْهَبِهِمُ الأَْوَّل - وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الثَّوْرِيُّ، وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: نُدِبَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُْولَى فَقَطْ، وَفِي غَيْرِ الأُْولَى خِلاَفُ الأَْوْلَى.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي كُل تَكْبِيرَةٍ. (١)