٤٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ الْمَيِّتِ وَالأَْبَاعِدِ مِنْ قَرَابَتِهِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لأَِهْل الْمَيِّتِ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: اصْنَعُوا لآِل جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ (٣) وَيُلِحُّ عَلَيْهِمْ فِي الأَْكْل؛ لأَِنَّ الْحُزْنَ يَمْنَعُهُمْ فَيُضْعِفُهُمْ، وَبِهِ قَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ،
_________________
(١) شرح البهجة ٢ / ١٢٤، ١٢٥، والطحطاوي ص ٣٦١، ونيل المآرب ص ٦٨، وبلغة السالك ٢٢٥.
(٢) حديث: " من عزى أخاه بمصيبة كساه الله من. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٥١١ - ط عيسى الحلبي) . والبيهقي (٤ / ٥٩ - ط دار المعرفة) . قال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال، قيس أبو عمارة ذكره ابن حبان من الثقات، وقال الذهبي في الكاشف: ثقة، وقال البخاري: فيه نظر وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم. والزوائد ٢ / ٥٠ - ٥١.
(٣) حديث: " اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم " أخرجه أبو داود (٣ / ٤٩٧ - ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٣١٤ - ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (١ / ٥١٤ - ط عيسى الحلبي) . واللفظ له من حديث عبد الله بن جعفر. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) .
[ ١٦ / ٤٤ ]
إِلاَّ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى مُحَرَّمٍ مِنْ نَدْبٍ وَلَطْمٍ وَنِيَاحَةٍ، فَلاَ يُنْدَبُ تَهْيِئَةُ الطَّعَامِ لَهُمْ (١) .
وَيُسَنُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ثَلاَثًا لأَِهْل الْمَيِّتِ لاَ لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُمْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا ضُيُوفًا. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الضِّيَافَةُ مِنْ أَهْل الْمَيِّتِ لأَِنَّهَا شُرِعَتْ فِي السُّرُورِ لاَ فِي الشُّرُورِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ، وَقَال ﵊: لاَ عَقْرَ فِي الإِْسْلاَمِ (٢) وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُعْقَرُ عِنْدَ الْقَبْرِ مِنْ إِبِلٍ، أَوْ بَقَرٍ، أَوْ شَاءٍ (٣) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الأَْكْل مِنْ طَعَامِ أَهْل الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ تَرِكَةٍ وَفِي مُسْتَحِقِّيهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ حُرِّمَ فِعْلُهُ وَالأَْكْل مِنْهُ، وَكُرِهَ الذَّبْحُ وَالأُْضْحِيَّةُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالأَْكْل مِنْهُ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، بِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَهْيِئَةُ
_________________
(١) مراقي الفلاح ٣٠٠، والشرح الصغير ١ / ٢٣٦، وشرح البهجة ٢ / ١٣٥.
(٢) حديث: " لا عقر في الإسلام " أخرجه أحمد (٣ / ١٩٧ - ط المكتب الإسلامي) وأبو داود (٣ / ٥٥٠ - ٥٥١ - ط عزت عبيد الدعاس) من حديث أنس بن مالك. وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح (شرح السنة ٥ / ٤٦١ - ط المكتب الإسلامي) .
(٣) الطحطاوي ٣٦٠ والحديث رواه أبو داود مع تفسيره عن عبد الرزاق (كتاب الجنائز) .
[ ١٦ / ٤٤ ]
الطَّعَامِ لِنَائِحَاتٍ؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ فِي أَيَّامٍ مُتَعَارَفٍ عَلَيْهَا كَالْيَوْمِ الأَْوَّل، وَالثَّالِثِ، وَبَعْدَ الأُْسْبُوعِ. وَنَقْل الطَّعَامِ إِلَى الْقَبْرِ فِي الْمَوَاسِمِ، وَاتِّخَاذُ الدَّعْوَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَجَمْعُ الصُّلَحَاءِ وَالْقُرَّاءِ لِلْخَتْمِ، أَوْ لِقِرَاءَةِ سُورَتَيِ الأَْنْعَامِ وَالإِْخْلاَصِ.
عَلَى أَنَّهُ إِذَا اتُّخِذَ الطَّعَامُ لِلْفُقَرَاءِ كَانَ حَسَنًا، وَقَال فِي الْمِعْرَاجِ: هَذِهِ الأَْفْعَال كُلُّهَا لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، فَيُحْتَرَزُ عَنْهَا؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُرِيدُونَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي غَايَةِ الْمُنْتَهَى لِلْحَنَابِلَةِ: وَمِنَ الْمُنْكَرِ وَضْعُ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ عَلَى الْقَبْرِ لِيَأْخُذَهُ النَّاسُ (١) .