٣ - يَظْهَرُ أَثَرُ الرِّيبَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِل الْفِقْهِ، فَيَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ كَمَا لَوْ كَانَ ظَاهِرُ مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ مُخَالِفًا لِدَعْوَاهُمَا فَتِلْكَ رِيبَةٌ تُكَذِّبُ دَعْوَاهُمَا فَلاَ تُقْبَل إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
- وَيَظْهَرُ أَثَرُهَا أَيْضًا فِي الْوَصِيَّةِ بِمَعْنَى الإِْيصَاءِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ لِلْحَاكِمِ رِيبَةٌ فِي الْوَصِيِّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ مُعَيَّنًا بِمُجَرَّدِ الرِّيبَةِ كَمَا أَفْتَى السُّبْكِيُّ.
- وَتُؤَثِّرُ الرِّيبَةُ أَيْضًا فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهَا أَيِ الْعِدَّةَ
_________________
(١) حديث: " إذا كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٧٦ - ط السلفية) من حديث أبي بكرة.
[ ٢٣ / ١٩٧ ]
تَثْبُتُ بِالشَّكِّ كَمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا لَمْ تُمَيِّزْ دَمَ الْمَرَضِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ، أَوْ تَأَخَّرَ الْحَيْضُ بِلاَ سَبَبٍ ظَاهِرٍ مِنْ رَضَاعٍ أَوِ اسْتِحَاضَةٍ، أَوْ مَرِضَتِ الْمُطَلَّقَةُ فَتَأَخَّرَ حَيْضُهَا بِسَبَبِهِ قَبْل الطَّلاَقِ أَوْ بَعْدَهُ، تَرَبَّصَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ لِزَوَال الرِّيبَةِ لأَِنَّهَا مُدَّةُ الْحَمْل غَالِبًا. وَفِي كَوْنِهَا تُعْتَبَرُ مِنْ يَوْمِ الطَّلاَقِ أَوْ مِنْ يَوْمِ ارْتِفَاعِ حَيْضِهَا قَوْلاَنِ، وَقَالُوا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ إِنِ ارْتَابَتْ فِي الْحَمْل، أَنَّهَا تَتَرَبَّصُ إِلَى أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْل، وَفِي كَوْنِهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ أَوْ خَمْسًا خِلاَفٌ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا جَاءَ فِي الْمِنْهَاجِ - أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ حَمْلٌ مِنَ الزَّوْجِ اعْتَدَّتْ بِوَضْعِهِ، وَلاَ اعْتِبَارَ بِمَا مَضَى مِنَ الأَْقْرَاءِ أَوِ الأَْشْهُرِ لِوُجُودِ الْحَمْل، وَلَوِ ارْتَابَتْ فِي الْعِدَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِثِقَلٍ وَحَرَكَةٍ تَجِدُهُمَا، لَمْ تَنْكِحْ آخَرَ بَعْدَ تَمَامِهَا حَتَّى تَزُول الرِّيبَةُ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ إِذَا ارْتَابَتْ بِأَنْ تَرَى أَمَارَاتِ الْحَمْل مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ نَفْخَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَشَكَّتْ. هَل هُوَ حَمْلٌ أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ ثَلاَثِهِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَحْدُثَ بِهَا الرِّيبَةُ قَبْل انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَبْقَى فِي حُكْمِ الاِعْتِدَادِ حَتَّى تَزُول الرِّيبَةُ، فَإِنْ بَانَ حَمْلًا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ، فَإِنْ زَالَتْ وَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَمْلٍ تَبَيَّنَّا أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ بِالْقُرُوءِ أَوِ الأَْشْهُرِ، فَإِنْ زُوِّجَتْ
[ ٢٣ / ١٩٨ ]
قَبْل زَوَال الرِّيبَةِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهَا تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ فِي الظَّاهِرِ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ عَدَمُ الْحَمْل أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ، لأَِنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.
الثَّانِي: أَنْ تَظْهَرَ بِهَا الرِّيبَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَزَوَاجِهَا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ لِوُجُودِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا، وَالْحَمْل مَعَ الرِّيبَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلاَ يَزُول بِهِ مَا حُكِمَ بِصِحَّتِهِ، لَكِنْ لاَ يَحِل لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا لِلشَّكِّ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَحِل لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ. ثُمَّ نَنْظُرُ فَإِنْ وَضَعَتِ الْوَلَدَ لأَِقَل مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوُّجِهَا الثَّانِيَ وَوَطْئِهَا فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ لأَِنَّهُ نَكَحَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لأَِكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَالْوَلَدُ لاَحِقٌ بِهِ وَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَحْدُثَ بِهَا الرِّيبَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَقَبْل النِّكَاحِ فَفِي حِل النِّكَاحِ لَهَا وَجْهَانِ
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْحِل، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ لأَِنَّهَا تَتَزَوَّجُ مَعَ الشَّكِّ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وُجِدَتِ الرِّيبَةُ فِي الْعِدَّةِ، وَلأَِنَّنَا لَوْ صَحَّحْنَا النِّكَاحَ لَوَقَعَ مَوْقُوفًا، وَلاَ يَجُوزُ كَوْنُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا.
وَالثَّانِي: يَحِل لَهَا النِّكَاحُ وَيَصِحُّ لأَِنَّنَا حَكَمْنَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَحِل النِّكَاحِ، وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، فَلاَ يَجُوزُ زَوَال مَا حُكِمَ بِهِ لِلشَّكِّ الطَّارِئِ، وَلِهَذَا لاَ يَنْقُضُ الْحَاكِمُ مَا حَكَمَ بِهِ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَرُجُوعِ الشُّهُودِ.
[ ٢٣ / ١٩٨ ]
وَتُؤَثِّرُ الرِّيبَةُ أَيْضًا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِ، كَمَا لَوِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْل عَلَى رَجُلَيْنِ، وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ فَبَادَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا وَشَهِدَا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِأَنَّهُمَا الْقَاتِلاَنِ، وَذَلِكَ يُورِثُ رِيبَةً لِلْحَاكِمِ فَيُرَاجِعُ الْوَلِيَّ وَيَسْأَلُهُ احْتِيَاطًا.
- وَيُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ تَفْرِقَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ ارْتِيَابِهِ فِيهِمْ، كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَيَسْأَل كُلًّا وَيَسْتَقْصِي، ثُمَّ يَسْأَل الثَّانِيَ كَذَلِكَ قَبْل اجْتِمَاعِهِ بِالأَْوَّل وَيَعْمَل بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ.
وَالأَْوْلَى كَوْنُ ذَلِكَ قَبْل التَّزْكِيَةِ. ثُمَّ إِنَّ أَصْل الرَّدِّ فِي الشَّهَادَةِ مَبْنَاهُ التُّهْمَةُ (١) .
هَذَا، وَيُبْحَثُ عَنِ الْمَسَائِل الْخَاصَّةِ بِمُصْطَلَحِ رِيبَةٍ فِي: الزَّكَاةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَيُبْحَثُ عَنْهَا أَيْضًا فِي مُصْطَلَحِ: (شَكّ) وَمُصْطَلَحِ: (تُهْمَة) .
_________________
(١) فتح القدير ٣ / ٢٨٧ - ط الأميرية، الدسوقي ١ / ٤٩٢، ٢ / ٤٧٠، ٤٧٤ - ط الفكر، جواهر الإكليل ١ / ٣٨٥ - ٣٨٧ - ط المعرفة، نهاية المحتاج ٦ / ١٠٢، ٨ / ٢٥٤ - ط المكتبة الإسلامية، حاشية القليوبي ٤ / ٤٤ - ط الحلبي، روضة الطالبين ١٠ / ٣٥ - ط المكتب الإسلامي، الإنصاف ٩ / ٢٧٧ - ط التراث، المغني ٧ / ٤٦٨ - ٤٦٩ - ط الرياض
[ ٢٣ / ١٩٩ ]