يَأْتِي الرِّهَانُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا:
١ - الْمُخَاطَرَةُ: جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الرِّهَانُ وَالْمُرَاهَنَةُ: الْمُخَاطَرَةُ. يُقَال: رَاهَنَهُ فِي كَذَا، وَهُمْ يَتَرَاهَنُونَ، وَأَرْهَنُوا بَيْنَهُمْ خَطَرًا، وَصُورَةُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ مَعَانِي الرِّهَانِ: أَنْ يَتَرَاهَنَ شَخْصَانِ أَوْ حِزْبَانِ عَلَى شَيْءٍ يُمْكِنُ حُصُولُهُ كَمَا يُمْكِنُ عَدَمُ حُصُولِهِ بِدُونِهِ، كَأَنْ يَقُولاَ مَثَلًا: إِنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غَدًا فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا مِنَ الْمَال، وَإِلاَّ فَلِي عَلَيْكَ مِثْلُهُ مِنَ الْمَال، وَالرِّهَانُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ الْمُلْتَزِمِينَ بِأَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَهُوَ صُورَةُ الْقِمَارِ الْمُحَرَّمِ (١) .
وَأَمَّا الرِّهَانُ بَيْنَ الْمُلْتَزِمِ وَبَيْنَ الْحَرْبِيِّ فَقَدِ
_________________
(١) القليوبي ٤ / ٢٦٦، نهاية المحتاج ٨ / ١٦٨، المغني ٨ / ٦٥٤، فتح القدير ٦ / ١٧٨
[ ٢٣ / ١٧١ ]
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي تَحْرِيمِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ (ر: مَيْسِر، رِبًا) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الرِّهَانُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُلْتَزِمِ وَالْحَرْبِيِّ، لأَِنَّ مَالَهُمْ مُبَاحٌ فِي دَارِهِمْ، فَبِأَيِّ طَرِيقَةٍ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُ أَخَذَ مَالًا مُبَاحًا إِذَا لَمْ يَكُنْ غَدْرًا، وَاسْتَدَل بِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ قُرَيْشٍ فِي مَكَّةَ قَبْل الْهِجْرَةِ، لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ ﴿أَلَمْ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَْرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَْمْرُ مِنْ قَبْل وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لأَِبِي بَكْرٍ: تَرَوْنَ أَنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ فَارِسًا قَال: نَعَمْ، فَقَالُوا: أَتُخَاطِرُنَا عَلَى ذَلِكَ؟ فَخَاطَرَهُمْ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال ﵊: اذْهَبْ إِلَيْهِمْ فَزِدْ فِي الْخَطَرِ فَفَعَل، وَغَلَبَتِ الرُّومُ فَارِسًا، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ خَطَرَهُ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ (١) . قَال ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا هُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ (٢) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (مَيْسِر) .
٢ - وَيَأْتِي الرِّهَانُ بِمَعْنَى الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْل أَوِ الرَّمْيِ، وَهَذَا جَائِزٌ بِشُرُوطِهِ - (ر: مُسَابَقَة) .
_________________
(١) حديث: " نزول آية الروم ورهان أبي بكر مع قريش ". أخرجه الترمذي (٥ / ٣٤٤ - ط الحلبي) بلفظ مقارب، وقال: " حديث حسن صحيح "
(٢) فتح القدير ٦ / ١٧٨
[ ٢٣ / ١٧١ ]
٣ - وَيَأْتِي بِمَعْنَى: رَهْنٍ، وَالرِّهَانُ جَمْعُهُ، وَهُوَ جَعْل مَالٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ يُسْتَوْفَى مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ وَفَائِهِ. (ر: رَهْن) .
٤ - وَيُطْلَقُ الرِّهَانُ عَلَى الْمَال الْمَشْرُوطِ فِي سِبَاقِ الْخَيْل وَنَحْوِهِ، جَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: السَّبَقُ - بِفَتْحِ الْبَاءِ - الْخَطَرُ الَّذِي يُوضَعُ فِي الرِّهَانِ عَلَى الْخَيْل وَالنِّضَال، وَالرِّهَانُ بِهَذَا الْمَعْنَى مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، بَل هُوَ مُسْتَحَبٌّ إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّأَهُّبُ لِلْجِهَادِ.
٥ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الرِّهَانُ مِنَ الْحَيَوَانِ فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ فِي الْخَيْل، وَالإِْبِل، وَالْفِيل، وَالْبَغْل، وَالْحِمَارِ فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ إِلاَّ فِي الْخَيْل وَالإِْبِل، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ فِي الْخَيْل وَالإِْبِل وَعَلَى الأَْرْجُل.