٢ - يُنْدَبُ تَرْكُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُوقِعَ فِي الرِّيبَةِ، وَالأَْخْذُ بِمَا لاَ يُوقِعُ فِيهَا، لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٢) . فَإِنَّ الأَْمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ؛ لأَِنَّ تَوَقِّيَ الشُّبُهَاتِ مَنْدُوبٌ لاَ وَاجِبٌ عَلَى الأَْصَحِّ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَاعْدِل إِلَى مَا لاَ تَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْحَلاَل، لأَِنَّ مَنِ اتَّقَى
_________________
(١) الصحاح والقاموس المحيط والمصباح مادة: (ريب) .
(٢) حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٦٨ - ط الحلبي) والحاكم (٤ / ٩٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: سنده قوي
[ ٢٣ / ١٩٦ ]
الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (١) . كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
فَمَنْ أَشْكَل عَلَيْهِ شَيْءٌ وَالْتَبَسَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْقَبِيلَيْنِ هُوَ، فَلْيَتَأَمَّل فِيهِ فَإِنْ وَجَدَ مَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَيَطْمَئِنُّ بِهِ قَلْبُهُ وَيَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ فَلْيَأْخُذْ بِهِ وَإِلاَّ فَلْيَدَعْهُ، وَلْيَأْخُذْ بِمَا لاَ شُبْهَةَ فِيهِ وَلاَ رِيبَةَ، وَيَسْأَل الْمُجْتَهِدِينَ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ وَهَذَا هُوَ طَرِيقُ الْوَرَعِ وَالاِحْتِيَاطِ (٢) .
وَيَنْبَغِي لِلإِْمَامِ اجْتِنَابُ الرِّيبَةِ فِي الرَّعِيَّةِ، وَعَدَمُ تَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ؛ لأَِنَّهُ إِنْ فَعَل ذَلِكَ أَفْسَدَهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ الأَْمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ (٣) .
وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ حَثُّ الإِْمَامِ عَلَى التَّغَافُل، وَعَدَمِ تَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ. فَإِنَّ بِذَلِكَ يَقُومُ النِّظَامُ وَيَحْصُل الاِنْتِظَامُ. وَالإِْنْسَانُ قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ عَيْبِهِ فَلَوْ عَامَلَهُمْ بِكُل مَا قَالُوهُ أَوْ فَعَلُوهُ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الأَْوْجَاعُ وَاتَّسَعَ الْمَجَال، بَل يَسْتُرُ عُيُوبَهُمْ
_________________
(١) حديث: " من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٢٦ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢٢٠ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير. واللفظ لمسلم.
(٢) فيض القدير ٣ / ٥٢٨ - ط الأولى
(٣) حديث: " إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٠٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وإسناده صحيح
[ ٢٣ / ١٩٦ ]
وَيَتَغَافَل وَيَصْفَحُ وَلاَ يَتَّبِعُ عَوْرَاتِهِمْ وَلاَ يَتَجَسَّسُ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا ظَنُّ السُّوءِ وَالْخِيَانَةُ بِمَنْ شُوهِدَ مِنْهُ السَّتْرُ وَالصَّلاَحُ فَحَرَامٌ شَرْعًا، بِخِلاَفِ مَنِ اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ بِتَعَاطِي الرِّيَبِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْخَبَائِثِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١) . وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ (٢) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: كُل الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ (٣) .
وَالظَّنُّ فِي الشَّرِيعَةِ قِسْمَانِ: مَحْمُودٌ وَمَذْمُومٌ، فَالْمَحْمُودُ مِنْهُ مَا سَلِمَ مَعَهُ دِينُ الظَّانِّ، وَسَلِمَ أَيْضًا الْمَظْنُونُ بِهِ عِنْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ الظَّنِّ.
وَالْمَذْمُومُ ضِدُّهُ بِدَلاَلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ (٤)، وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (٥) .
_________________
(١) سورة الحجرات / ١٢
(٢) حديث: " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ". أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: " كل المسلم على المسلم حرام: دمه. . . " أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٦ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٤) سورة النور / ١٢
(٥) سورة الفتح / ١٢
[ ٢٣ / ١٩٧ ]
وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُل أَحْسَبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا (١) . وَقَال: إِذَا حَسَدْتَ فَاسْتَغْفِرْ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ. قَال الْمَهْدَوِيُّ: وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ الْقَبِيحَ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْخَيْرُ لاَ يَجُوزُ، وَأَنَّهُ لاَ حَرَجَ فِي الظَّنِّ الْقَبِيحِ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْقُبْحُ.