وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَمْرَةِ الصُّغْرَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) فَهَذَا التَّرْتِيبُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الرَّمْيِ.
فَلَوْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ فَبَدَأَ مِنَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الصُّغْرَى وَجَبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ رَمْيِ الْوُسْطَى وَالْعَقَبَةِ عِنْدَهُمْ لِيَتَحَقَّقَ التَّرْتِيبُ (١) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ، إِذَا أَخَل بِهِ يُسَنُّ لَهُ الإِْعَادَةُ. وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ (٢) .
اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَهَا كَذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُل حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِل (٣)، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَال فَيَسْتَهِل وَيَقُومُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ
_________________
(١) الشرح الكبير وحاشيته ٢ / ٥١، ومواهب الجليل ٣ / ١٣٤، والإيضاح ص ٤٠٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣٣، والمغني ٣ / ٤٥٢ - ٤٥٣، والفروع ٣ / ٥١٨.
(٢) على ما اختاره أكثرهم ومحققوهم، بدائع الصنائع ٢ / ١٣٩، وفتح القدير ٢ / ١٨٣، وشرح اللباب ص ١٦٧، وانظر رواية القول بالوجوب في المبسوط ٤ / ٦٥ - ٦٦، والمغني ٣ / ٤٥٢.
(٣) . فَاسْتَدَل بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْجَمَرَاتِ، كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ. وَفَسَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ عَلَى سَبِيل السُّنِّيَّةِ، لاَ الْوُجُوبِ، وَاسْتَدَل لَهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ قَدَّمَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ (١) . ح - الْوَقْتُ: فَلِلرَّمْيِ أَوْقَاتٌ يُشْتَرَطُ مُرَاعَاتُهَا، فِي رَمْيِ الْعَدَدِ الْوَاجِبِ فِي كُلٍّ مِنْهَا. تَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي: وَقْتُ الرَّمْيِ وَعَدَدُهُ:
(٤) وَقْتُ رَمْيِ الْجِمَارِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِمَنْ لَمْ يَتَعَجَّل هِيَ: يَوْمُ النَّحْرِ " وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَتُسَمَّى " أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ". سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّ لُحُومَ الْهَدَايَا تُشَرَّقُ فِيهَا، أَيْ تُعَرَّضُ لِلشَّمْسِ لِتَجْفِيفِهَا. أ - الرَّمْيُ يَوْمَ النَّحْرِ:
(٥) يَجِبُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا فَقَطْ، يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ.
(٦) حديث: " من قدم من نسكه شيئًا ". أخرجه البيهقي في السنن (٥ / ١٤٣ - ١٤٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس.
[ ٢٣ / ١٥٥ ]
وَأَوَّل وَقْتِ الرَّمْيِ لِيَوْمِ النَّحْرِ يَبْدَأُ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ (١) .
وَهَذَا الْوَقْتُ عِنْدَهُمْ أَقْسَامٌ: مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتَ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ، وَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَال وَقْتٌ مَسْنُونٌ، وَمَا بَعْدَ الزَّوَال إِلَى الْغُرُوبِ وَقْتُ الْجَوَازِ بِلاَ إِسَاءَةٍ، وَاللَّيْل وَقْتُ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ وَلاَ جَزَاءَ فِيهِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيَنْتَهِي الْوَقْتُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ يَلْزَمُ فِيهِ الدَّمُ.
وَتَحْدِيدُ الْوَقْتِ الْمَسْنُونِ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ رَمَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ جَوَازِ الرَّمْيِ يَوْمُ النَّحْرِ إِذَا انْتَصَفَتْ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَهُ.
وَهَذَا الْوَقْتُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ إِلَى الزَّوَال، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى الْغُرُوبِ، وَوَقْتُ جَوَازٍ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٢) .
_________________
(١) الهداية ٢ / ١٨٥، والبدائع ٢ / ١٣٧، وشرح اللباب ص ١٥٧ - ١٥٨، والشرح الكبير ٢ / ٤٨، وشرح الرسالة بحاشية العدوي ١ / ٤٧٧ و٤٨٠، والمغني ٣ / ٤٢٩ والفروع ٣ / ٥١٣.
(٢) الإيضاح ص ٣٥٤، والنهاية ٢ / ٤٢٩، والمغني والفروع ونهاية المحتاج عن الرافعي ٢ / ٤٣٠، وقوله " إلى الزوال " أي من بعد طلوع الشمس.
[ ٢٣ / ١٥٦ ]
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ فِي الثَّقَل وَقَال: لاَ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تُصْبِحُوا (١) .
فَأَثْبَتُوا جَوَازَ الرَّمْيِ ابْتِدَاءً مِنَ الْفَجْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ يَعْنِي لاَ يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٢) .
فَأَثْبَتُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَقْتَ الْمَسْنُونَ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَل بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ قَبْل الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ (٣) .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ عَلَّقَ الرَّمْيَ بِمَا قَبْل الْفَجْرِ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ صَالِحٌ لِجَمِيعِ اللَّيْل، فَجَعَل
_________________
(١) حديث: " لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢ / ٢١٧ - ط مطبعة الأنوار المحمدية) .
(٢) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٤٧٨١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٣ / ٢٣١ - ط الحلبي) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(٣) حديث عائشة: " أن النبي ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨١ تحقيق عزت عبيد دعاس) . وقال ابن حجر: " إسناده على شرط مسلم ". كما في بلوغ المرام (٢ / ٤١٧ - شرحه سبل السلام ط دار الكتب العلمية) .
[ ٢٣ / ١٥٦ ]
النِّصْفَ ضَابِطًا لَهُ؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا قَبْل النِّصْفِ.
أَمَّا آخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى فَجْرِ الْيَوْمِ التَّالِي، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْهُ بِلاَ عُذْرٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْقَضَاءِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: آخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ، وَيَجِبُ الدَّمُ إِنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (٢) .
وَآخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ أَدَاءً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَمْتَدُّ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لأَِنَّهَا كُلُّهَا أَيَّامُ رَمْيٍ (٣) .
وَاسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ قَال: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَال: لاَ حَرَجَ (٤) .
وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا (٥) .
_________________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٣٧، وشرح اللباب ص ١٦١.
(٢) الشرح الكبير ٢ / ٥٠، وشرح الرسالة ١ / ٤٧٧.
(٣) المراجع الشافعية والحنابلة السابقة.
(٤) حديث ابن عباس: " سأله رجل قال: رميت بعدما أمسيت. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٦٨ - ط السلفية) .
(٥) حديث ابن عباس: " رخص للرعاة أن يرموا ليلًا ". أورده الهيثمي في المجمع (٣ / ٢٦٠ - ط القدسي) وقال: " رواه الطبراني في الكبير وفيه إسحاق بن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك ".
[ ٢٣ / ١٥٧ ]
وَهُوَ يَدُل عَلَى أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ فِي اللَّيْل جَائِزٌ، وَفَائِدَةُ الرُّخْصَةِ زَوَال الإِْسَاءَةِ عَنْهُمْ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الرَّمْيُ وَاجِبًا قَبْل الْمَغْرِبِ لأَلْزَمَهُمْ بِهِ؛ لأَِنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ إِنَابَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى الرَّعْيِ.