٥ - الْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ: هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ وَتَعَارَفُوهُ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، كَتَعَارُفِ النَّاسِ الْبَيْعَ بِالتَّعَاطِي وَالاِسْتِصْنَاعِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْعُرْفُ عَمَلِيٌّ وَقَوْلِيٌّ، فَالأَْوَّل: كَتَعَارُفِ قَوْمٍ عَلَى أَكْل الْبُرِّ وَلَحْمِ الضَّأْنِ، فَإِذَا قَال: اشْتَرِ لِي طَعَامًا أَوْ لَحْمًا انْصَرَفَ إِلَى الْبُرِّ وَلَحْمِ الضَّأْنِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ الْعَمَلِيِّ (٢) .
وَالأَْعْرَافُ وَالْعَادَاتُ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ
_________________
(١) المستصفي ٢ / ٢٩ ط الأميرية ١٣٢٤هـ، أحكام الفصول في أحكام العقول ٢٨٦ ط دار الغرب الإسلامي ١٩٨٦ قواعد الأحكام ٢ / ٧٧، ١١٦، شرح تنقيح الفصول للقرافي ص٢١١.
(٢) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢ / ١١٢.
[ ٣٠ / ٥٥ ]
فِي مُعَامَلاَتِهِمْ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ بِالأَْلْفَاظِ، قَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: فُصِل فِي تَنْزِيل دَلاَلَةِ الْعَادَاتِ وَقَرَائِنِ الأَْحْوَال مَنْزِلَةَ صَرِيحِ الأَْقْوَال فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَغَيْرِهَا، وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ: التَّوْكِيل فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِثَمَنِ الْمِثْل وَغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، تَنْزِيلًا لِلْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فِي الْمُعَامَلاَتِ مَنْزِلَةَ صَرِيحِ اللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ حَمْل الإِْذْنِ فِي النِّكَاحِ عَلَى الْكُفْءِ وَمَهْرِ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الأَْفْهَامِ فِيمَنْ وَكَّل آخَرَ بِتَزْوِيجِ ابْنَتِهِ، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ ﵁ حَيْثُ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ الأُْخْرَى (١) فَبَاعَ وَأَقْبَضَ وَقَبَضَ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَفْظِيٍّ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى الإِْذْنِ الْعُرْفِيِّ، الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ اللَّفْظِيِّ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ (٢) . فَالْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ أَوِ الْعَادَةُ فِي الْفِعْل هِيَ الْمُحَكَّمَةُ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، مَا يَجِبُ مِنْهَا وَمَا لاَ يَجِبُ، تَبَعًا لِلْعُرْفِ الْجَارِي
_________________
(١) حديث: عروة بن الجعد البارقي " أن رسول الله ﷺ أعطاه دينارًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٦٣٢) .
(٢) إعلام الموقعين ٢ / ٤١٢، ٤١٣ ط دار الجليل، وقواعد الأحكام ٢ / ١٠٧ ط دار الكتب العلمية.
[ ٣٠ / ٥٥ ]
بَيْنَهُمْ، وَمَا يَدْخُل فِي الْعُقُودِ تَبَعًا وَمَا لاَ يَدْخُل.
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ (١)، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي ذَلِكَ: (الْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ) وَالْمَعْرُوفُ بَيْنَ التُّجَّارِ كَالْمَشْرُوطِ بَيْنَهُمْ، قَال السَّرَخْسِيُّ: وَالْمَعْلُومُ بِالْعُرْفِ كَالْمَشْرُوطِ، وَفِيهِ أَيْضًا: الثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.