٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى: أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِعَرْصَةٍ فَبَنَاهَا أَوْ غَرَسَ فِيهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ رُجُوعًا عَنِ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَفِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
أَمَّا لَوْ زَرَعَهَا فَلاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ رُجُوعًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لَكِنْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمَزْرُوعُ مِمَّا تَبْقَى أُصُولُهُ فَالأَْقْرَبُ، كَمَا قَال الأَْذْرَعِيُّ إِلَى كَلاَمِهِمْ فِي بَيْعِ الأُْصُول وَالثِّمَارِ أَنَّهُ كَالْغِرَاسِ؛ لأَِنَّهُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ غَيْرَ أَشْهَبَ فَلاَ تَبْطُل
_________________
(١) البدائع ٣ / ٣٧، وفتح القدير ٤ / ٤٧٩ نشر دار التراث، والاختيار ٤ / ٥٦.
[ ٣٠ / ٤٦ ]
الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ الْعَرْصَةِ، فَلَوْ أَوْصَى بِعَرْصَةٍ ثُمَّ بَنَاهَا دَارًا مَثَلًا فَلاَ تَبْطُل الْوَصِيَّةُ بِبِنَائِهَا، وَيَشْتَرِكُ الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ بِقِيمَتَيِ الْعَرْصَةِ وَالْبِنَاءِ قَائِمًا، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِدَارٍ فَهَدَمَهَا فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَلاَ وَصِيَّةَ لَهُ فِي النَّقْضِ الَّذِي نَقَصَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْعَرْصَةُ فَقَطْ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا هَدَمَ الدَّارَ فَالْعَرْصَةُ وَالنَّقْصُ لِلْمُوصَى لَهُ.
وَالْهَدْمُ لاَ يُبْطِل الْوَصِيَّةَ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَتَبْقَى الْعَرْصَةُ لِلْمُوصَى لَهُ؛ لأَِنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ، وَالْبِنَاءُ بِمَنْزِلَةِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ تَبَعًا لِلدَّارِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي التَّبَعِ لاَ يَدُل عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الأَْصْل.
أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: فَإِنَّ الْهَدْمَ يُعْتَبَرُ رُجُوعًا فِي النَّقْضِ وَفِي الْعَرْصَةِ، وَهَذَا إِذَا هَدَمَهَا الْمُوصِي، أَمَّا إِذَا هَدَمَهَا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُل فِي النَّقْضِ لِبُطْلاَنِ الاِسْمِ، وَلاَ تَبْطُل فِي الْعَرْصَةِ (١) .