١ - الْمَرَضُ: سَبَقَ تَعْرِيفُهُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا.
وَالْمَوْتُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْحَيَاةِ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ (٢) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَرَضِ الْمَوْتِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ هُوَ: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ الَّذِي يَتَّصِل بِالْمَوْتِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَوْتُ بِسَبَبِهِ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ: هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ خَوْفُ الْمَوْتِ، وَيَعْجِزُ مَعَهُ الْمَرِيضُ عَنْ رُؤْيَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجًا عَنْ دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الذُّكُورِ، وَعَنْ رُؤْيَةِ مَصَالِحِهِ دَاخِل دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْنَاثِ، وَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ الْحَال قَبْل مُرُورِ سَنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ
_________________
(١) المعجم الوسيط.
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٤٢٣ ط. المكتبة الإسلامية.
(٣) انظر الأم للشافعي ٤ / ٣٥ وما بعدها (بولاق ١٣٢٢ هـ)، ومغني المحتاج ٣ / ٥٠ وما بعدها، وكشاف القناع ٥ / ٢٢٨.
[ ٣٧ / ٥ ]
فِرَاشٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، هَذَا مَا لَمْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ وَيَتَغَيَّرْ حَالُهُ، فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ مِنْ تَارِيخِ الاِشْتِدَادِ (١) .
فَعَلَى هَذَا، يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِهِ أَنْ يَتَوَافَرَ فِيهِ وَصْفَانِ:
الْوَصْفُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا (٢)، أَيْ يَغْلِبُ الْهَلاَكُ مِنْهُ عَادَةً أَوْ يَكْثُرُ.
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: حَدُّ مَرَضِ الْمَوْتِ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْمَوْتُ كَانَ مَرَضُ الْمَوْتِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ (٣) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ وَالْمُخِيفُ: هُوَ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، لِكَثْرَةِ مَنْ يَمُوتُ بِهِ، فَمَنْ قَال: مَخُوفٌ قَال: لأَِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، وَمَنْ قَال: مُخِيفٌ لأَِنَّهُ يُخِيفُ مَنْ رَآهُ (٤) .
وَقَال التَّسُولِيُّ: وَمُرَادُهُ بِمَرَضِ الْمَوْتِ: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ الَّذِي حَكَمَ أَهْل الطِّبِّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ (٥) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: مَا أَشْكَل أَمْرُهُ مِنَ
_________________
(١) المادة ١٥٩٥ من مجلة الأحكام، وشرح الأتاسي ٢ / ٤٠٨.
(٢) قال ابن رشد: والأمراض التي يحجر فيها عند الجمهور هي الأمراض المخوفة (بداية المجتهد ٢ / ٣٢٧ ط. الحلبي) .
(٣) الفتاوى الهندية ٤ / ١٧٦، وانظر بدائع الصنائع ٣ / ٢٢٤.
(٤) تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص٢٤١.
(٥) البهجة شرح التحفة ٢ / ٢٤٠، وانظر شرح الخرشي ٥ / ٣٠٤.
[ ٣٧ / ٥ ]
الأَْمْرَاضِ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ، وَهُمُ الأَْطِبَّاءُ، لأَِنَّهُمْ أَهْل الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلاَ يُقْبَل إِلاَّ قَوْل طَبِيبَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ثِقَتَيْنِ بَالِغَيْنِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ وَأَهْل الْعَطَايَا، فَلَمْ يُقْبَل فِيهِ إِلاَّ ذَلِكَ، وَقِيَاسُ قَوْل الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ يُقْبَل قَوْل الطَّبِيبِ الْعَدْل إِذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ (١) .
وَلَوِ اخْتَلَفَ الأَْطِبَّاءُ يُؤْخَذُ بِقَوْل الأَْعْلَمِ، ثُمَّ بِالأَْكْثَرِ عَدَدًا، ثُمَّ بِمَنْ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ مَخُوفٌ، لأَِنَّهُ عِلْمٌ مِنْ غَامِضِ الْعِلْمِ مَا خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَأَقَرَّهُ (٢) .
فَإِنْ لَمْ يَتَوَفَّرْ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنَ الأَْطِبَّاءِ، كَأَنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يُرَاجِعَ أَحَدًا مِنَ الأَْطِبَّاءِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ عَجْزُ الْمَرِيضِ عَنِ الْخُرُوجِ لِمَصَالِحِهِ خَارِجَ بَيْتِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الذُّكُورِ، وَعَنْ رُؤْيَةِ مَصَالِحِهِ دَاخِل بَيْتِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْنَاثِ عَلاَمَةٌ تَدُل عَلَى كَوْنِ الْمَرَضِ مَخُوفًا إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى رُؤْيَةِ تِلْكَ الْمَصَالِحِ قَبْلَهُ، أَوْ أَنْ تُعْتَبَرَ أَيَّةُ عَلاَمَةٍ أُخْرَى تُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِ مَخُوفًا فِي نَظَرِ الأَْطِبَّاءِ الْعَارِفِينَ.
وَيُقْصَدُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْخُرُوجِ لِمَصَالِحِهِ خَارِجَ بَيْتِهِ: عَجْزُهُ عَنْ إِتْيَانِ الْمَصَالِحِ الْقَرِيبَةِ الْعَادِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ مُحْتَرِفًا بِحِرْفَةِ شَاقَّةٍ كَالْحَمَّال
_________________
(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٥٠٧ (مط. المنار بهامشه الشرح الكبير)، والمهذب ١ / ٤٦٠.
(٢) نهاية المحتاج للرملي ٦ / ٦٠.
[ ٣٧ / ٦ ]
وَالدَّقَّاقِ وَالْحَدَّادِ وَالنَّجَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ إِقَامَتُهُ مَعَ أَدْنَى عَجْزٍ أَوْ مَرَضٍ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ لاَ يَكُونُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، إِذْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي هَؤُلاَءِ الْعَجْزُ عَنِ الْعَمَل فِي حِرْفَتِهِمْ لِيُعْتَبَرُوا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، بَل عَنْ مِثْل مَا يَعْجِزُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحِرْفَةِ الْعَادِيَّةِ (١) .
الْوَصْفُ الثَّانِي: أَنْ يَتَّصِل الْمَرَضُ بِالْمَوْتِ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْمَوْتُ بِسَبَبِهِ أَمْ بِسَبَبٍ آخَرَ خَارِجِيٍّ عَنِ الْمَرَضِ كَقَتْلٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ تَصَادُمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (٢) .
فَإِذَا صَحَّ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ، وَتُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ فِيهِ كَتَصَرُّفَاتِ الصَّحِيحِ دُونَ فَرْقٍ، فَالْمَرِيضُ مَا دَامَ حَيًّا لاَ يَجُوزُ لِوَرَثَتِهِ وَلاَ لِدَائِنِيهِ الاِعْتِرَاضُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُشْفَى مِنْ مَرَضِهِ، أَمَّا إِذَا انْتَهَى الْمَرَضُ الْمَخُوفُ بِالْمَوْتِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّصَرُّفَ وَقَعَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (٣) .