١٧ - ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: إِلَى أَنَّهُ إِنْ بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ يَكُونُ صَحِيحًا نَافِذًا، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ
_________________
(١) جامع الفصولين ٢ / ١٧٨، والعقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٥٤، وواقعات المفتين ص٨٩، وانظر م (٣٩٥) من مجلة الأحكام العدلية وم (٢٦٧) من مرشد الحيران، وانظر شرح المجلة للأتاسي ٢ / ٤١٤.
[ ٣٧ / ١٨ ]
حَقُّهُمْ، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، فَكَانَ الْوَارِثُ وَالأَْجْنَبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءً (١) .
أَمَّا إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ وَحَابَاهُ فِي الثَّمَنِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ حَمَل ثُلُثُ مَالِهِ هَذِهِ الْمُحَابَاةَ أَمْ لَمْ يَحْمِلْهَا، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِلاَّ خُيِّرَ الْوَارِثُ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَبِيعُ تَمَامَ الْقِيمَةِ، وَعِنْدَهَا يَسْقُطُ حَقُّ الْوَرَثَةِ فِي الاِعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ، وَيُرَدَّ الْمَبِيعُ إِلَى التَّرِكَةِ، وَيَسْتَلِمَ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْمُوَرِّثِ (٢) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْبَيْعُ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَدَل مُسَاوِيًا لِمِثْل الْقِيمَةِ أَمْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ (٣) .
وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ، وَبِهِ قَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٤) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ دُونَ مُحَابَاةٍ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَنَافِذٌ عَلَى
_________________
(١) كشف الأسرار على أصول البزدوي ٤ / ١٤٢٩، ورد المحتار ٤ / ١٩٣، والمبسوط ١٤ / ١٥٠ واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص٢٩، شرح المجلة للأتاسي ٢ / ٤٠٩.
(٢) رد المحتار ٤ / ١٩٣.
(٣) المبسوط ١٤ / ١٥٠، رد المحتار ٤ / ١٩٣، والعقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٢٦٨، وكشف الأسرار ٤ / ١٤٢٩ وما بعدها، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص٢٩، فتاوى قاضيخان ٢ / ١٧٧، وانظر م (٣٩٣) من مجلة الأحكام العدلية، وم (٢٦٤) من مرشد الحيران.
(٤) الإنصاف للمرداوي ٧ / ١٧٢.
[ ٣٧ / ١٩ ]
الْبَدَل الْمُسَمَّى (١) .
أَمَّا إِذَا حَابَى الْمَرِيضُ وَارِثَهُ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ حَابَاهُ فِي الثَّمَنِ كَأَنْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْنِ مَثَلًا، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ بِقَدْرِ الْمُحَابَاةِ كُلِّهَا إِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَنْفُذُ فِيمَا عَدَاهَا، وَتُعْتَبَرُ إِجَازَةُ الْوَرَثَةِ لِلْقَدْرِ الْمُحَابَى بِهِ ابْتِدَاءً عَطِيَّةً مِنْهُمْ تَفْتَقِرُ إِلَى حَوْزٍ، قَالُوا: وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَقْدِيرِ مُحَابَاتِهِ لِيَوْمِ الْبَيْعِ لاَ لِيَوْمِ الْحُكْمِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِتَغَيُّرِ الأَْسْوَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (٢) .
أَمَّا إِذَا حَابَى الْمَرِيضُ وَارِثَهُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ، كَأَنْ يَقْصِدَ إِلَى خِيَارِ مَا يَمْلِكُهُ فَيَبِيعَهُ مِنْ وَلَدِهِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ نَقْضُ ذَلِكَ الْبَيْعِ، وَلَوْ كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ أَكْثَرَ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَبِيعَ مَا شَاءَ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ إِلَى أَيِّ شَخْصٍ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيَنْفُذَ بَيْعُهُ عَلَى الْعِوَضِ الْمُسَمَّى إِذَا كَانَ الْبَيْعُ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ (٤)، أَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَدَل مُحَابَاةٌ
_________________
(١) المدونة ٣ / ٢٢٢.
(٢) البهجة شرح التحفة للتسولي ٢ / ٨٢، والخرشي على خليل ٥ / ٣٠٥، والمنتقى للباجي ٦ / ١٥٨، وتوضيح الأحكام للتوزري ٣ / ٧٤.
(٣) شرح ابن سودة على التحفة ٢ / ٤٤، وشرح ابن ناجي على الرسالة ٢ / ٣١٥، وتوضيح الأحكام ٣ / ٧٤، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٨٣.
(٤) نهاية المحتاج ٥ / ٤٠٨، والمهذب ١ / ٤٦٠، والأم ٧ / ٩٧.
[ ٣٧ / ١٩ ]
لِلْوَارِثِ، فَحُكْمُ هَذِهِ الْمُحَابَاةِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ حَيْثُ إِنَّ الأَْظْهَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا نَفَذَتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا بَطَلَتْ، فَيَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ هَذِهِ الْمُحَابَاةِ (١)، قَال الرَّمْلِيُّ: الْمَرَضُ إِنَّمَا يَمْنَعُ الْمُحَابَاةَ، وَلاَ يَمْنَعُ الإِْيثَارَ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَبِيعَ مَا شَاءَ مِنْ مَالِهِ لِوَارِثِهِ، وَيَنْفُذَ بَيْعُهُ إِذَا كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْل (٣) .
أَمَّا إِذَا حَابَى وَارِثَهُ فِي الْبَيْعِ، فَهُنَاكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ:
أَحَدُهَا: لاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَل الثَّمَنَ فِي كُل الْمَبِيعِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي بَعْضِهِ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ. فَقَال: قَبِلْتُ الْبَيْعَ فِي نِصْفِهِ، أَوْ قَال: قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِخَمْسَةٍ، وَلأَِنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَعَاقَدَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (٤) .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا يُقَابِل الثَّمَنَ
_________________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٤٨، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ٣٠٣، والمهذب ١ / ٣٨٦.
(٢) نهاية المحتاج ٥ / ٤١٧.
(٣) الإنصاف للمرداوي ٧ / ١٧٢، والمغني (مطبوع مع الشرح الكبير) ٥ / ٤٧٢، ٦ / ٤٢١، والشرح الكبير على المقنع ٦ / ٢٩٨.
(٤) المغني ٥ / ٤٧٣، والإنصاف ٧ / ١٧٣.
[ ٣٧ / ٢٠ ]
الْمُسَمَّى، وَتَتَوَقَّفُ الْمُحَابَاةُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا نَفَذَتْ، وَإِنْ رَدُّوهَا بَطَل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَصَحَّ فِيمَا بَقِيَ (١) .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ، وَيَصِحُّ فِيمَا يُقَابِل الثَّمَنَ الْمُسَمَّى، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الأَْخْذِ وَالْفَسْخِ، لأَِنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ؛ لأَِنَّ الْبُطْلاَنَ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ الْمُحَابَاةِ، فَاخْتَصَّ بِمَا يُقَابِلُهَا، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ (٢) .