٤٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِغَيْرِ مَالِهِ، عَلَى وَجْهٍ يَتَعَسَّرُ مَعَهُ تَمْيِيزُ الْمَالَيْنِ عَنْ بَعْضِهِمَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا، مِنْ جِنْسِهَا أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ خَلْطَ مُجَاوَرَةٍ كَقَمْحٍ بِقَمْحٍ أَوْ بِشَعِيرٍ أَوْ خَلْطَ مُمَازَجَةٍ كَالْخَل بِالزَّيْتِ، لأَِنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا حُكْمًا بِالْخَلْطِ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا لِمَالِكِهَا بَعْدَهُ (٢) .
_________________
(١) قُرَّة عُيُون الأَْخْيَار ٢ / ٢٤٨، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٧٦، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٣٤١، وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٤٩٨، وَدُرَر الْحُكَّام ٢ / ٢٦٢، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي ٣ / ٢٦٩، وَانْظُرِ الْمَادَّة (٨٢٦) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ وَالْمَادَّةِ (٧٩٨) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ٢١٣، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار ٢ / ٢٤٧، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٤٨، وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٤٩٧، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٧٦، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى ٢ / ٣٤١، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص ٣٢٨، النَّتْف للسغدي ٢ / ٥٧٩، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ للأتاسي ٣ / ٢٥٦، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٣، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٣٦، وَالأُْمّ ٤ / ٦٣، وَالْمُهَذَّب ١ / ٣٦٨، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ١٢٣، والقليوبي ٣ / ١٨٦، وَأَسْنَى الْمَطَالِب وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ ٣ / ٨٠، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ١٩٦، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٤٥٤، وَالْمُبْدِع ٥ / ٢٤٠، وَالْمُغْنِي ٩ / ٢٥٨.
[ ٤٣ / ٤٦ ]
قَال السَّرَخْسِيُّ: الْخَلْطُ أَنْوَاعٌ ثَلاَثَةٌ:
خَلْطٌ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَعْدَهُ، كَخَلْطِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ. فَهَذَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، لأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ الْوُصُول إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ.
وَخَلْطٌ يَتَيَسَّرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ، كَخَلْطِ الدَّرَاهِمِ السُّودِ بِالْبِيضِ، وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ. فَهَذَا لاَ يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، لِتَمَكُّنِ الْمَالِكِ مِنَ الْوُصُول إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ، فَهَذِهِ مُجَاوَرَةٌ، وَلَيْسَتْ بِخَلْطٍ. وَخَلْطٌ يَتَعَسَّرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ، كَخَلْطِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ. فَهَذَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، لأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمَالِكِ الْوُصُول إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ إِلاَّ بِحَرَجٍ، وَالْمُتَعَسِّرُ كَالْمُتَعَذِّرِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَا هُوَ غَيْرُ مُمَاثِلٍ لَهَا جِنْسًا أَوْ صِفَةً مِنْ مَالِهِ، كَخَلْطِ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ وَنَحْوَهُ، فَيَلْزَمُهُ
_________________
(١) الْمَبْسُوط ١١ / ١١٠، وَانْظُرِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٤٨، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار ٢ / ٢٤٧.
[ ٤٣ / ٤٧ ]
الضَّمَانُ، لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، حَيْثُ إِنَّهُ فَوَّتَ عَيْنَهَا بِالْخَلْطِ، فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا، لأَِنَّهَا لاَ تَتَمَيَّزُ، وَلَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِمَا خُلِطَ بِهَا، فَلاَ يُمْكِنُ الْقِسْمَةُ.
أَمَّا إِذَا خَلَطَهَا بِجِنْسِهَا الْمُمَاثِل لَهَا جَوْدَةً وَرَدَاءَةً، كَحِنْطَةٍ بِمِثْلِهَا، أَوْ ذَهَبٍ بِمِثْلِهِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الإِْحْرَازِ وَالرِّفْقِ لاَ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُودِعَ عَلَى مِثْل ذَلِكَ قَدْ دَخَل، إِذْ قَدْ يَشُقُّ عَلَى الْوَدِيعِ أَنْ يَجْعَل كُل مَا أَوْدَعَهُ عَلَى حِدَةٍ. وَلأَِنَّهُ لَوْ تَعَدَّى عَلَى الْوَدِيعَةِ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا، ثُمَّ ضَاعَتْ بَعْدَ رَدِّهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهَا كَرَدِّ مِثْلِهَا، فَلاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إِذَا هَلَكَتْ. (١)