٦٢ - إِذَا تَنَازَعَ الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ، فَادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً، فَجَاءَهُ رَجُلاَنِ، وَادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا، فَقَال الْوَدِيعُ: أَوْدَعَهَا أَحَدُكُمَا، وَلَسْتُ أَدْرِي أَيَّكُمَا هُوَ؟ فَهَذَا فِي الأَْصْل لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَصْطَلِحَ الْمُتَدَاعِيَانِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الأَْلْفَ، وَتَكُونَ بَيْنَهُمَا. وَإِمَّا أَنْ لاَ يَصْطَلِحَا، وَيَدَّعِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الأَْلْفَ لَهُ خَاصَّةً، لاَ لِصَاحِبِهِ.
فَإِنِ اصْطَلَحَا عَلَى ذَلِكَ، فَلَهُمَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَسْلِيمِ الأَْلْفِ إِلَيْهِمَا، لأَِنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ الأَْلْفَ لأَِحَدِهِمَا. وَإِذَا
_________________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٥٩.
[ ٤٣ / ٨٥ ]
اصْطَلَحَا عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَهُمَا، لاَ يَمْنَعَانِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَا الْوَدِيعَ بَعْدَ الصُّلْحِ.
وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا، وَادَّعَى أَنْ يُنَكِّل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الأَْلْفَ لَهُ، لاَ يَدْفَعُ لأَِحَدِهِمَا شَيْئًا، لِجَهَالَةِ الْمُقِرِّ لَهُ بِالْوَدِيعَةِ. وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْوَدِيعَ، فَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالأَْمْرُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ لأَِحَدِهِمَا وَيُنَكِّل لِلآْخَرِ.
فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا، فَقَدِ انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِلْحَال إِلَى وَقْتِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، كَمَا فِي سَائِرِ الأَْحْكَامِ.
وَإِنْ نَكَّل لَهُمَا، يَقْضِي بِالأَْلْفِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَيَضْمَنُ أَلْفًا أُخْرَى بَيْنَهُمَا، فَيَحْصُل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ كَامِلَةٌ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ كُل الأَْلْفِ لَهُ، فَإِذَا نَكَّل لَهُ، وَالنُّكُول بَذْلٌ أَوْ إِقْرَارٌ، فَكَأَنَّهُ بَذَل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا، أَوْ أَقَرَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَلْفٍ، فَيُقْضَى عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا بِأَلْفٍ، وَيَضْمَنُ أَيْضًا أَلْفًا أُخْرَى تَكُونُ بَيْنَهُمَا، لِيَحْصُل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ كَامِلَةٌ.
وَلَوْ حَلَفَ لأَِحَدِهِمَا، وَنَكَّل لِلآْخَرِ، قُضِيَ
[ ٤٣ / ٨٦ ]
بِالأَْلْفِ لِلَّذِي نَكَّل لَهُ، وَلاَ شَيْءَ لِلَّذِي حَلَفَ لَهُ، لأَِنَّ النُّكُول حُجَّةُ مَنْ نَكَّل لَهُ، لاَ حُجَّةُ مَنْ حَلَفَ لَهُ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا تَنَازَعَ الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ، فَادَّعَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَيَنْظُرُ: إِنْ صَدَّقَ الْوَدِيعُ أَحَدَهُمَا، فَلِلآْخَرِ تَحْلِيفُهُ. فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ دَعْوَى الآْخَرِ. وَإِنْ نَكَّل حَلَفَ الآْخَرُ، وَغَرِمَ لَهُ الْقِيمَةَ.
وَقِيل: تُوقَفُ الْوَدِيعَةُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يَصْطَلِحَا.
وَقِيل: تُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمَا.
وَإِنْ صَدَّقَهُمَا، فَالْيَدُ لَهُمَا، وَالْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ لَهُ، وَلاَ خُصُومَةَ لِلآْخَرِ مَعَ الْوَدِيعِ لِنُكُولِهِ. وَإِنْ نَكَّلاَ أَوْ حَلَفَا، جُعِل بَيْنَهُمَا، وَحُكْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الآْخَرِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُقِرِّ لَهُ.
وَإِنْ قَال: هِيَ لأَِحَدِكُمَا وَأَنْسَيْتُهُ. فَإِنْ كَذَّبَاهُ فِي النِّسْيَانِ ضَمِنَ - كَالْغَاصِبِ - لِتَقْصِيرِهِ
_________________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ٢١٠ وَمَا بَعْدَهَا، وَانْظُرْ مَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٣٤٥، وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٥٠٠، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٧٩، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيم ص ٣٣١.
[ ٤٣ / ٨٦ ]
بِنِسْيَانِهِ. وَإِنْ صَدَّقَاهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَال: هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدِي، وَلاَ أَدْرِي أَهُوَ لَكُمَا أَوْ لأَِحَدِكُمَا أَمْ لِغَيْرِكُمَا. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ إِنِ ادَّعَيَاهُ، وَتَرَكَ فِي يَدِهِ لِمَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِهِ، وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا تَحْلِيفُ الآْخَرِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدٌ وَلاَ اسْتِحْقَاقٌ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا ادَّعَى الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ، فَأَقَرَّ الْوَدِيعُ لأَِحَدِهِمَا بِهَا، فَهِيَ لَهُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْوَدِيعِ، وَقَدْ نَقَلَهَا إِلَى الْمُدَّعِي، فَصَارَتِ الْيَدُ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْيَدُ لَهُ، قُبِل قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
وَيَحْلِفُ الْوَدِيعُ لِلآْخَرِ الَّذِي أَنْكَرَهُ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَّل لَزِمَهُ بَدَلُهَا، لأَِنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا، فَهِيَ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَتَدَاعَيَاهَا، وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا عَلَى نِصْفِهَا.
فَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ، لَزِمَهُ عِوَضُهَا فَيَقْتَسِمَانِهِ، لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ. وَإِنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ لأَِحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ، لَزِمَهُ لِمَنْ نَكَل عَنِ الْيَمِينِ لَهُ عِوَضُ نِصْفِهَا، وَيَلْزَمُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَلِفُ لِصَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ
_________________
(١) أَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٨٦، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٤٩.
[ ٤٣ / ٨٧ ]
لِدَعْوَاهُ.
وَإِنْ قَال الْوَدِيعُ: هِيَ لأَِحَدِكُمَا وَلاَ أَعْرِفُ صَاحِبَهَا مِنْكُمَا. فَإِنْ صَدَّقَاهُ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا أَوْ سَكَتَا عَنْ تَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ، فَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ، وَتُسَلَّمُ لأَِحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِنْ كَذَّبَاهُ فَقَال: بَل تَعْرِفُ أَيُّنَا صَاحِبُهَا. حَلَفَ لَهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُهُ، لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ، وَكَذَا إِذَا كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا.
فَإِنْ نَكَل قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُول، وَأُلْزِمَ تَعْيِينَ صَاحِبِهَا، فَإِنْ أَبَى التَّعْيِينَ أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِ عِوَضِهَا - الْمِثْل إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَالْقِيمَةَ إِنْ كَانَتْ قِيمِيَّةً فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَدَل وَالْعَيْنُ، فَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِمَا أَوْ يَتَّفِقَانِ.
وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالَتَيْنِ، أَيْ حَالَةِ مَا إِذَا صَدَّقَاهُ أَوْ كَذَّبَاهُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ، لاِحْتِمَال عَدَمِهِ، وَأَخَذَهَا بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ (١) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ ذَكَرُوا فَيمَنْ بِيَدِهِ وَدِيعَةٌ، فَأَتَى رَجُلاَنِ، كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ، وَلاَ يَدْرِي الْوَدِيعُ لِمَنْ هِيَ مِنْهُمَا؟ فَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: تَكُونُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَمَنْ نَكَل مِنْهُمَا فَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَهِيَ كُلُّهَا لِمَنْ
_________________
(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٢٠٣، ٢٠٤، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٤٥٧، وَالْمُغْنِي ٩ / ٢٧٦.
[ ٤٣ / ٨٧ ]
حَلَفَ (١) . قَال الزُّرْقَانِيُّ: فَلَوْ نَكَلاَ، قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ حَلَفَا (٢) .
وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ نَقْلًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يَسْتَوْدِعُ الرَّجُل الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ يَأْتِي هُوَ وَآخَرُ، فَيَدَّعِيَانِهَا جَمِيعًا، وَيَنْسَى هُوَ مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ مِنْهُمَا. فَقِيل: إِنَّهُمَا يَحْلِفَانِ جَمِيعًا، وَيَقْتَسِمَانِهَا بَيْنَهُمَا، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقِيل: إِنَّهُ يَضْمَنُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنِسْيَانِهِ (٣) .
أَمَّا إِذَا قَال الْوَدِيعُ: لَيْسَتِ الْوَدِيعَةُ لأَِحَدِكُمَا، لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ حَلِفِهِمَا (٤) .
_________________
(١) التَّاج وَالإِْكْلِيل للمواق ٥ / ٢٦٧.
(٢) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل ٦ / ١٢٥.
(٣) الْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات ٢ / ٤٦٦، وَانْظُرْ بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣١٢.
(٤) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل ٦ / ١٢٥، ١٢٦.
[ ٤٣ / ٨٨ ]