وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ النَّارَ أَتْلَفَتْهَا، وَهَذَا كَالرَّجُل الْمُسْلِمِ تُحِيطُ بِهِ النَّارُ، وَرَجُلٌ مُسْلِمٌ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ، فَلَمْ يَفْعَل، فَهُوَ عَاصٍ، وَلاَ عَقْل عَلَيْهِ وَلاَ قَوَدَ. (١)
ب - إِيدَاعُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ الْغَيْرِ: ٤٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِسْحَاقُ وَالْقَاضِي شُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ - مِمَّنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً - عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ بِدُونِ إِذْنِ الْمَالِكِ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ صَارَ ضَامِنًا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَمِينًا.
لأَِنَّ الْمُودِعَ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي حِفْظِهَا تَحْتَ يَدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي وَضْعِهَا تَحْتَ يَدِ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ، كَانَ مُتَعَدِّيًا، لِخُرُوجِهِ فِي حِفْظِهَا عَنِ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلأَِنَّ النَّاسَ
_________________
(١) الإِْشْرَاف عَلَى مَذَاهِبِ أَهْل الْعِلْمِ لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٦٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ ٣ / ٨٤، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ١١٢.
[ ٤٣ / ٤٣ ]
مُتَفَاوِتُونَ فِي الْحِفْظِ وَالأَْمَانَةِ، وَالْمُودِعُ إِنَّمَا رَضِيَ بِحِفْظِهِ وَأَمَانَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى أَنْ يُودِعَهَا غَيْرَهُ، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ، فَقَدْ صَارَ تَارِكًا الْحِفْظَ الَّذِي الْتَزَمَهُ، مُسْتَحْفِظًا عَلَيْهَا مَنِ اسْتَحْفَظَ مِنْهُ، وَذَلِكَ تَفْرِيطٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ. وَإِنَّمَا اسْتَثْنَيْتُ حَالَةَ الْعُذْرِ، لأَِنَّ الدَّفْعَ إِلَيْهِ فِيهَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْحِفْظِ، فَكَانَ مَأْذُونًا بِهِ مِنَ الْمَالِكِ دَلاَلَةً، فَارْتَفَعَ سَبَبُ الضَّمَانِ. (١)
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَقَال: لَهُ إِيدَاعُهَا عِنْدَ الأَْجْنَبِيِّ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ إِحْرَازُهَا وَحِفْظُهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ، فَالإِْنْسَانُ قَدْ يُودِعُ مَال نَفْسِهِ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ حَفِظَهَا فِي حِرْزِهِ. وَبِأَنَّ
_________________
(١) رَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٤٩٥، الْعُقُود الدُّرِّيَّة ٢ / ٧١، وَالْمَبْسُوط ١١ / ١١٣، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٤٠، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ٢٠٨، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٧٤، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ١٠٥، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٧٦، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٢٧، والقليوبي وَعَمِيرَة ٣ / ١٨٢، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ٣٧٩، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل ٥ / ٢٥٧، وَالإِْشْرَاف لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب ٢ / ٤١، ٤٢، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ ٦ / ١١٧، وَكِفَايَة الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ ٢ / ٢٥٤، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٩ / ٢٥٩، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ ٤ / ١٩٣، وَالْمُبْدِع ٥ / ٢٣٨، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٤٥٢.
[ ٤٣ / ٤٤ ]
مِنْ مَلَكَ شَيْئًا بِنَفْسِهِ، مَلَكَ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ مَلَكَ الْوَدِيعُ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ، فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ. (١)
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ إِيدَاعِ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عِيَالِهِ فِي الْفِقْرَةِ (٢٦) .
٤١ - أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي إِيدَاعِهَا عِنْدَ الأَْجْنَبِيِّ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا عِنْدَ ثِقَةٍ مَأْمُونٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهَا إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ، لأَِنَّهُ أَوْدَعَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ لِثِقَةٍ مَرْضِيٍّ، فَأَشْبَهَ إِيدَاعَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَلأَِنَّهُ أَحَدُ سَبَبَيْ حِفْظِهَا، فَكَانَ مُوكَّلًا إِلَى اجْتِهَادِهِ كَالْحِرْزِ (٢) .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ إِلَيْهِمَا،
_________________
(١) الْمَبْسُوط ١١ / ١١٣، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٢، وَتَأْسِيس النَّظَر لِلدَّبُّوسِيِّ ص ٩٤، وَاخْتِلاَف الْعِرَاقِيِّينَ ٤ / ٦٣.
(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٤٩٥، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٧٥، وَالْبَدَائِع ٦ / ٢٠٨، وَالْعُقُود الدُّرِّيَّة ٢ / ٧١، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل ٥ / ٢٥٧، وَالزُّرْقَانِيَّ عَلَى خَلِيلٍ ٦ / ١١٧، وَالْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ص ٤٠٣، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣١٢، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٢.
[ ٤٣ / ٤٤ ]
دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي، إِذِ الْقَاضِي يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَاضِيًا، دَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ ثِقَةٍ، لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الدَّفْعَ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ الْعَدْل أَوِ الأَْمِينِ، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا بِدُونِ إِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَضَمِنَهَا، كَمَا لَوْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ بِلاَ عُذْرٍ. وَلَوْ دَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاكِمِ ضَمِنَ، لأَِنَّ غَيْرَ الْحَاكِمِ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ. (١) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَجُوزَ لَهُ إِيدَاعُهَا، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْفَظَ لَهَا وَأَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا. (٢)
أَمَّا الاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ فِي حَمْل الْوَدِيعَةِ وَوَضْعِهَا وَحِفْظِهَا فِي الْحِرْزِ أَوْ سَقْيِهَا أَوْ عَلْفِهَا فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْوَدِيعِ وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ. (٣) قَال
_________________
(١) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٢٨، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٧٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ١٠٦، وَالْمُغْنِي ٩ / ٢٦٠، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ ٤ / ١٩٤، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٤٥٣.
(٢) الْمُغْنِي ٩ / ٢٦١.
(٣) الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة ٣ / ١٨٢، وَرَوْضَةُ الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٢٧، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٧٦، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ١٠٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ ٣ / ٨٢، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٤٥٤، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ ٤ / ١٩٢.
[ ٤٣ / ٤٥ ]