لِلإِْشْهَادِ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ مَالِكُهَا رَدَّهَا إِلَى وَكِيلِهِ.
قَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِذَا قَال لَهُ: رُدَّهَا عَلَى فُلاَنٍ وَكِيلِي، فَطَلَبَ الْوَكِيل، فَلَمْ يُرَدَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَ الْمَالِكُ فَلَمْ يُرَدَّ، لَكِنْ لَهُ التَّأْخِيرُ لِيَشْهَدَ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ بِالْقَبْضِ، لأَِنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْوَكِيل، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّدِّ، لَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةً، وَإِلاَّ فَوَجْهَانِ، لأَِنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ عَزَلَهُ، فَيَصِيرُ مَا فِي يَدِهِ كَالأَْمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ، مِثْل الثَّوْبِ تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ، وَفِيهَا وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) تَمْتَدُّ إِلَى الْمُطَالَبَةِ، (وَأَصَحُّهُمَا) تَنْتَهِي بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ. (١)
ب - رَدُّ الْوَدِيعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ: ٣٠ - إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مَشَاعًا لِشَخْصَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا إِذَا أَوْدَعَ رَجُلاَنِ مَالَهُمَا الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ شَخْصٍ، ثُمَّ طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي غِيَابِ الآْخَرِ حِصَّتَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِ رَدِّ نَصِيبِهِ إِلَيْهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا) لأَِبِي حَنِيفَةَ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ حَتَّى يَحْضُرَ الآْخَرَ؛ لأَِنَّ
_________________
(١) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٤٥، وَانْظُرْ أَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٨٤، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الشرواني عَلَيْهِ ٧ / ١٢٤.
[ ٤٣ / ٣٧ ]
الْوَدِيعَ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَال الْمُشْتَرَكِ، فَيَكُونُ إِعْطَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَعَدِّيًا عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، حَيْثُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمَا. (١)
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْوَدِيعَ لَوْ دَفَعَ شَيْئًا إِلَى الشَّرِيكِ الْحَاضِرِ، فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنَ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ خَاصَّةً، وَلاَ وَجْهَ إِلَى الأَْوَّل؛ لأَِنَّ دَفْعَ نَصِيبِ الْغَائِبِ إِلَيْهِ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا، وَلاَ سَبِيل إِلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّ نَصِيبَهُ شَائِعٌ فِي الْكُل، إِذِ الْوَدِيعَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَلاَ تَتَمَيَّزُ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ، وَالْقِسْمَةُ عَلَى الْغَائِبِ غَيْرُ جَائِزَةٍ. (٢)
(الثَّانِي) لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ قِسْمَةُ الْوَدِيعَةِ وَإِعْطَاؤُهُ حِصَّتَهُ، وَلاَ تَسْلِيمُ الْجَمِيعِ، بَل يَرْفَعُ الأَْمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُقَسِّمَهَا وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ لاِتِّفَاقِهِمَا عَلَى الإِْيدَاعِ فَكَذَا فِي الاِسْتِرْدَادِ. (٣)
(الثَّالِثُ) لِلْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ جَرَتْ مَجَلَّةُ
_________________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار مَعَ رَدِّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٤٩٩، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٧٨، وَالْبَدَائِع ٦ / ٢١٠، وَدُرَر الْحُكَّام ٢ / ٢٧٧، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ ٣ / ٢٨٣، ٢٨٥.
(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ٢١٠.
(٣) رَوْضَةُ الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٤٥، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ١٢٤، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٨٤. وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ ٤ / ١٨٤.
[ ٤٣ / ٣٧ ]
الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ. (١)
فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي لاَ تَنْقُصُ بِالْقِسْمَةِ، فَطَلَبَ الْحَاضِرُ نَصِيبَهُ مِنْهَا، فَيُؤْمَرُ الْوَدِيعُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ حِصَّتِهِ يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا.
قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ فِيهِ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الآْخَرِ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَلاَ ضَرَرٍ، فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لَزِمَ دَفْعُهُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا. (٢)
وَقَال الصَّاحِبَانِ: لأَِنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَشَارِكَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي غِيَابِ الآْخَرِ وَبِدُونِ إِذْنِهِ، كَمَا إِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ دَيْنٌ مُشْتَرَكٌ عَلَى رَجُلٍ، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا وَطَلَبَ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ حِصَّتَهُ. (٣)
وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ، فَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ
_________________
(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٢٠٥، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٤٥٨، وَدُرَر الْحُكَّام ٢ / ٢٧٧، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ ٣ / ٢٨٣ الْمَادَّة (٧٩٦)، وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٤٩٩، وَالْبَدَائِعِ ٦ / ٢١٠، وَالْمَادَّة (١٣٣٩) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَذْهَب أَحْمَدَ.
(٢) الْمُبْدِع ٥ / ٢٤٦.
(٣) دُرَر الْحُكَّام ٢ / ٢٧٧، وَشَرْح الْمَجَلَّةِ لِلأَْتَاسِيِّ ٣ / ٢٨٣، مَجَلَّة الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّة الْمَادَّة (٧٩٦) .
[ ٤٣ / ٣٨ ]
يُعْطِيَ الْحَاضِرَ حِصَّتَهُ، فَإِنْ فَعَل وَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا.
لأَِنَّ قِسْمَةَ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ بَيْعٌ، وَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْمُودِعِ، لأَِنَّ قِسْمَةَ ذَلِكَ لاَ يُؤْمَنُ فِيهَا الْحَيْفُ، لأَِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّقْوِيمِ، وَذَلِكَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ. (١)
وَلأَِنَّ الإِْفْرَازَ غَالِبٌ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْمُبَادَلَةَ غَالِبَةٌ فِي الْقِيمِيِّ، وَبِمَا أَنَّ الْوَدِيعَ لَيْسَ مَأْذُونًا بِالْمُبَادَلَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمِيَّ. (٢)