٧٠ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُمْكِنُ إِيدَاعُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا تَعَدَّدَ الْوَدِيعُ بِأَنْ كَانَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَيُنْظَرُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْوَدِيعَةُ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ - يَعْنِي أَنَّ تَقْسِيمَهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ أَلْبَتَّةَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَوَانًا، أَوْ كَانَ تَقْسِيمُهَا مُمْكِنًا، وَلَكِنْ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا عِنْدَ تَقْسِيمِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ ثَوْبًا - فَيَحْفَظُهَا أَحَدُهُمْ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ، أَوْ يَحْفَظُونَهَا مُنَاوَبَةً، أَيْ بِطَرِيقِ الْمُهَايَأَةِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ،
_________________
(١) الْعُقُود الدُّرِّيَّة لاِبْنِ عَابِدِينَ ٢ / ٧٦، وَرَوْضَة ٢ / ٦٢٧، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٥٩.
(٢) الْمُبْدِع ٥ / ٢٤٧، وَالإِْشْرَاف لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب ٢ / ٤٣.
[ ٤٣ / ٨٢ ]
لأَِنَّ الْمَالِكَ لَمَّا أَوْدَعَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى حِفْظِهَا دَائِمًا، كَانَ رَاضِيًا بِثُبُوتِ يَدِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الاِنْفِرَادِ فِي الْكُل. وَبِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ: إِذَا هَلَكَتِ الْوَدِيعَةُ بِلاَ تَعَدٍّ وَلاَ تَقْصِيرٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. أَمَّا إِذَا هَلَكَتْ بِتَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ، فَيَضْمَنُ الْمُتَعَدِّي أَوِ الْمُقَصِّرُ وَحْدَهُ، وَلاَ يَلْزَمُ شَيْءٌ عَلَى الآْخَرِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ - كَالْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي لاَ تَتَعَيَّبُ بِالتَّقْسِيمِ - فَيُقَسِّمُهَا الْمُسْتَوْدَعُونَ بَيْنَهُمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَحْفَظُ حِصَّتَهُ مِنْهَا. لأَِنَّ الْوَدِيعَ إِنَّمَا يَلْتَزِمُ الْحِفْظَ بِحَسَبِ إِمْكَانِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْتَوْدَعِينَ - مَثَلًا - لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا جَمِيعَ أَشْغَالِهِمْ وَيَجْتَمِعُوا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ، وَالْمَالِكُ لَمَّا أَوْدَعَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَدِيعَةً تَحْتَمِل الْقِسْمَةَ، فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِقِسْمَتِهَا، وَحِفْظِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِجُزْءٍ مِنْهَا دَلاَلَةً.
وَبِهَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ لأَِحَدِهِمْ أَنْ يُسَلِّمَ حِصَّتَهُ لِوَدِيعٍ آخَرَ بِدُونِ إِذْنِ الْمُودِعِ، لأَِنَّ الْمَالِكَ عِنْدَمَا أَوْدَعَ الْمَال الْقَابِل لِلْقِسْمَةِ لأَِشْخَاصٍ مُتَعَدِّدِينَ، فَقَدْ رَضِيَ بِثُبُوتِ يَدِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْبَعْضِ دُونَ الْكُل، إِذْ رِضَاهُ بِحِفْظِ الاِثْنَيْنِ - مَثَلًا - لاَ يَسْتَلْزِمُ رِضَاهُ بِحِفْظِ
[ ٤٣ / ٨٣ ]
الْوَاحِدِ. وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ لآِخَرَ، فَهَلَكَتْ فِي يَدِ الآْخَرِ، بِلاَ تَعَدٍّ وَلاَ تَقْصِيرٍ مِنْهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا، بَل يَلْزَمُ الَّذِي سَلَّمَهُ إِيَّاهَا ضَمَانُ حِصَّتِهِ مِنْهَا. أَيْ لاَ يَلْزَمُ الضَّمَانُ لِلْوَدِيعِ الآْخَرِ الَّذِي تَسَلَّمَ الْوَدِيعَةَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعَلَيْهِ جَرَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ.
وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ: لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَفِظُ كُل الْوَدِيعَةِ بِإِذْنِ الآْخَرِ، لأَِنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا، فَكَانَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ حِصَّتَهُ لِلآْخَرِ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَوْدَعَ شَخْصٌ اثْنَيْنِ وَغَابَ، فَتَنَازَعَا فِيمَنْ تَكُونُ بِيَدِهِ، جُعِلَتْ بِيَدِ الأَْعْدَل مِنْهُمَا، فَإِنْ حَصَل فِيهَا مَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ، كَانَ مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ. وَيُحْتَمَل مِنَ الآْخَرِ أَيْضًا، لِكَوْنِهِ مُودَعًا أَيْضًا مِنْ رَبِّهَا. فَإِنْ تَسَاوَيَا عَدَالَةً، جُعِلَتْ بِأَيْدِيهِمَا (٢) .
_________________
(١) الْبَدَائِع ٦ / ٢٠٨، وَرَدّ الْمُحْتَارِ ٤ / ٤٤٩، وَالْمَبْسُوطِ ١١ / ١٢٥، ١٣١، وَقُرَّة عُيُون الأَْخْيَار ٢ / ٢٥٥، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى ٢ / ٣٤٢، وَدُرَر الْحُكَّام ٢ / ٢٤٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٥٥، وَانْظُرِ الْمَادَّة (٧٨٣) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
(٢) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل ٦ / ١٢٦.
[ ٤٣ / ٨٣ ]