١٢ - قَال الْقَرَافِيُّ: هَل يَدْخُل الْوَرَعُ وَالزُّهْدُ فِي الْمُبَاحَاتِ أَمْ لاَ؟ فَادَّعَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَضَيَّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَكْثَرُوا التَّشْنِيعَ. فَقَال الأَْبْيَارِيُّ فِي مُصَنَّفِهِ: لاَ يَدْخُل الْوَرَعُ فِيهَا لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ طَرَفَيْهَا، وَالْوَرَعُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَالنَّدْبُ مَعَ التَّسْوِيَةِ مُتَعَذِّرٌ، وَقَال الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ الْحِمْيَرِيُّ: يَدْخُل الْوَرَعُ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمَا زَال السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى الزُّهْدِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا (٣)﴾، وَغَيْرُهُ مِنَ النُّصُوصِ.
_________________
(١) إحياء علوم الدين ٢ / ٩٥ ط المعرفة.
(٢) سورة الأنعام / ٩١.
(٣) سورة الأحقاف / ٢٠.
[ ٤٣ / ١١٣ ]
وكُلٌّ مِنَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، إِذْ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي الْكَلاَمِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمُبَاحَاتِ لاَ زُهْدَ فِيهَا وَلاَ وَرَعَ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مُبَاحَاتٌ، وَفِيهَا الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الاِسْتِكْثَارَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ يُحْوِجُ إِلَى كَثْرَةِ الاِكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ يُوقِعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَكَثْرَةُ الْمُبَاحَاتِ أَيْضًا تُفْضِي إِلَى بَطَرِ النُّفُوسِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعَبِيدِ وَالْخَيْل وَالْخَوَل وَالْمَسَاكِنِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَآكِل الشَّهِيَّةِ وَالْمَلاَبِسِ اللَّيِّنَةِ لاَ يَكَادُ يَسْلَمُ صَاحِبُهَا مِنَ الإِْعْرَاضِ عَنْ مَوَاقِفِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّضَرُّعِ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ أَهْل الْحَاجَاتِ وَالْفَاقَاتِ وَالضَّرُورَاتِ، وَمَا يَلْزَمُ قُلُوبَهُمْ مِنَ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ لِذِي الْجَلاَل وَكَثْرَةِ السُّؤَال مِنْ نَوَالِهِ وَفَضْلِهِ آنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، لأَِنَّ أَنْوَاعَ الضَّرُورَاتِ تَبْعَثُ عَلَى ذَلِكَ قَهْرًا، وَالأَْغْنِيَاءُ بَعِيدُونَ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ، فَكَانَ الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ فِي الْمُبَاحَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لاَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُبَاحَاتٌ، وَيَدُل عَلَى اعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِْنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (١)﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ (٢)﴾ أَيْ مِنْ أَجْل أَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ
_________________
(١) سورة العلق / ٦ـ٧.
(٢) سورة البقرة / ٢٥٨.
[ ٤٣ / ١١٣ ]
الْمُلْكَ فَلَوْ كَانَ النُّمْرُودُ فَقِيرًا حَقِيرًا مُبْتَلًى بِالْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ لَمْ تَحْتَدَّ نَفْسُهُ إِلَى مُنَازَعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَدَعْوَاهُ الإِْحْيَاءَ أَوِ الإِْمَاتَةَ، وَتَعَرُّضِهِ لإِحْرَاقِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالنِّيرَانِ، وَإِنَّمَا وَصَل إِلَى هَذِهِ الْمَعَاطِبِ وَالْمَهَالِكِ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَلِكٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْكُفَّارِ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَْرْذَلُونَ (١)﴾، وَفِي الآْيَةِ الأُْخْرَى ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ (٢)﴾، فَحَصَل مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَتْبَاعَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَالْمُبَادِرِينَ إِلَى تَصْدِيقِهِمْ إِنَّمَا هُمُ الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ، وَأَعْدَاءُ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَمُعَانِدُوهُمْ هُمُ الأَْغْنِيَاءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ (٣)﴾، وَفِي الآْيَةِ الأُْخْرَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٤)﴾، وَلَمْ يَقُل: إِلاَّ قَال فُقَرَاؤُهَا. فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ أَنَّ الأَْكْثَرِينَ فِي هَذِهِ الدَّارِ هُمُ الأَْقَلُّونَ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَالأَْقَلُّونَ فِي هَذِهِ الدَّارِ هُمُ الأَْكْثَرُونَ فِي
_________________
(١) سورة الشعراء / ١١١.
(٢) سورة هود / ٢٧.
(٣) سورة الأحزاب / ٦٧.
(٤) سورة الزخرف / ٤٠.
[ ٤٣ / ١١٤ ]
تِلْكَ الدَّارِ، فَهَذَا وَجْهُ مَا كَانَ السَّلَفُ يَعْتَمِدُونَهُ مِنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَهُوَ وَجْهُ لُزُومِ الذَّمِّ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ (١) .