٦٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُعْتَبَرُ مُخَالَفَةً لأَِمْرِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فِي كَيْفِيَّةِ الْحِفْظِ وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ إِذَا اشْتَرَطَ عَلَى الْوَدِيعِ شَرْطًا يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ حِفْظِهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِبَارُهُ وَالْعَمَل بِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مُفِيدًا وَمُرَاعَاتُهُ مُمْكِنَةً. أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُفِيدٍ، أَوْ كَانَ مُفِيدًا لَكِنَّ مُرَاعَاتَهُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَهُوَ لَغْوٌ لاَ يَلْزَمُهُ الْعَمَل بِهِ.
فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْحِفْظِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسِكَ الْوَدِيعَةَ بِيَدِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلاَ يَضَعَهَا، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، حَتَّى لَوْ وَضَعَهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ فِيمَا يُحْرِزُ فِيهِ مَالَهُ عَادَةً، فَضَاعَتْ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ لأَِنَّ إِمْسَاكَ الْوَدِيعَةِ بِيَدِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَضَعُهَا أَصْلًا غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ عَادَةً، فَكَانَ شَرْطًا لاَ يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهُ، فَيَلْغُو.
وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْحِفْظِ، وَنَهَاهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى امْرَأَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ الَّذِي هُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَال نَفْسِهِ بِيَدِهِ عَادَةً، نَظَرَ فِيهِ: إِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ
[ ٤٣ / ٧٤ ]
بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَيْهِ، كَانَ النَّهْيُ عَنِ الدَّفْعِ إِلَيْهِ نَهْيًا عَنِ الْحِفْظِ، فَكَانَ سَفَهًا، فَلاَ يَصِحُّ نَهْيُهُ.
وَإِنْ كَانَ يَجِدُ بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ، وَلَوْ دَفَعَ يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فِي الدَّفْعِ إِلَيْهِ، أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ، وَهُوَ مُفِيدٌ، لأَِنَّ الأَْيْدِيَ فِي الْحِفْظِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَالأَْصْل فِي الشُّرُوطِ اعْتِبَارُهَا مَا أَمْكَنَ.
وَلَوْ قَال لَهُ: لاَ تُخْرِجْهَا مِنْ هَذَا الْبَلَدِ. فَخَرَجَ بِهَا، تَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ، وَهُوَ مُفِيدٌ، لأَِنَّ الْحِفْظَ فِي السَّفَرِ مَوْضِعُ الْخَطَرِ، إِلاَّ إِذَا خَافَ التَّلَفَ عَلَيْهَا، فَاضْطَرَّ إِلَى الْخُرُوجِ بِهَا فَخَرَجَ، لاَ تَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّ الْخُرُوجَ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ طَرِيقٌ مُتَعَيَّنٌ لِلْحِفْظِ، كَمَا إِذَا وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ، أَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، فَخَافَ الْغَرَقَ، فَدَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قَال لَهُ: احْفَظِ الْوَدِيعَةَ فِي دَارِكَ هَذِهِ. فَحَفِظَهَا فِي دَارٍ لَهُ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتِ الدَّارَانِ فِي الْحِرْزِ سَوَاءً، أَوْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ أَحْرَزَ، لاَ تَدْخُل فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّ التَّقْيِيدَ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَإِنْ كَانَتِ الأُْولَى أَحْرَزَ مِنَ الثَّانِيَةِ، دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ، لأَِنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ عِنْدَ تَفَاوُتِ الْحِرْزِ
[ ٤٣ / ٧٥ ]
مُفِيدٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي دَارِهِ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيل (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا عَيَّنَ لَهُ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْحِرْزَ، فَقَال لَهُ: احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا فِيهِ، فَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مَا دُونَهُ ضَمِنَ، لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ حِرْزًا، لَمْ يَرْضَ بِمَا دُونَهُ.
وَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى مَا هُوَ أَحْرَزُ مِنْهُ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ تَعْيِينَ الْحِرْزِ يَقْتَضِي الإِْذْنَ فِي مِثْلِهِ، وَفِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا خَالَفَ الْوَدِيعُ فِي وَجْهِ الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْمُودِعِ، بِأَنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَعَدَل إِلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَتَلِفَتْ، فَيُنْظَرُ: فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ سَبَبِ الْمُخَالَفَةِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَقْعَ التَّلَفُ بِسَبَبِ الْمُخَالَفَةِ ضَمِنَ، إِذَا كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ تَقْصِيرًا. وَذَلِكَ لِحُصُول التَّلَفِ
_________________
(١) الْبَدَائِع ٦ / ٢٠٩، ٢١٠، وَانْظُرِ الْمَبْسُوط ١١ / ١٢١، وَمَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى ٢ / ٣٤٣، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٧٩، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٤١.
(٢) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل ٦ / ١١٦، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٢٥٦، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل ٥ / ٢٥٥، ٢٥٦، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ٣٧٩.
[ ٤٣ / ٧٥ ]
مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَتِهِ وَتَقْصِيرِهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ قَالُوا: لَوْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ فِي صُنْدُوقٍ، وَقَال رَبُّ الْوَدِيعَةِ: لاَ تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ، فَرَقَدَ عَلَيْهِ، وَانْكَسَرَ بِثِقْلِهِ، وَتَلِفَ مَا فِيهِ، ضَمِنَ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى التَّلَفِ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ ثِقْلِهِ، فَلاَ يَضْمَنُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأَِنَّ التَّلَفَ لَمْ يَأْتِ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِ. وَكَذَا لَوْ قَال لَهُ: لاَ تَقْفِل عَلَيْهَا. فَخَالَفَ، فَقَفَل. أَوْ: لاَ تَقْفِل عَلَيْهَا إِلاَّ قُفْلًا وَاحِدًا. فَقَفَل عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ، فَلاَ يَضْمَنُ فِي الْحَالَيْنِ، لأَِنَّهُ زَادَ فِي الْحِفْظِ، وَلَمْ يَأْتِ التَّلَفُ مِمَّا عُدِل إِلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا خَالَفَ فِي الْمَوْقِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ، بِأَنْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً، وَقَال لَهُ: اجْعَلْهَا فِي بَيْتِكَ. فَنَقَلَهَا إِلَى مَا دُونَهُ، ضَمِنَ - حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْمَنْقُول إِلَيْهِ حِرْزًا لِمِثْلِهَا - لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ حِرْزًا، لَمْ يَرْضَ بِمَا دُونَهُ. وَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ إِلَى مَا هُوَ أَحْرَزُ مِنْهُ، فَمَاتَتْ فَجْأَةً أَوْ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوَهُ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّ مَنْ رَضِيَ حِرْزًا، رَضِيَ مِثْلَهُ وَمَا هُوَ أَحْرَزُ مِنْهُ. وَإِنِ انْهَدَمَ عَلَيْهَا الْحِرْزُ الْمُمَاثِل لِبَيْتِهِ أَوِ الأَْحْرَزُ مِنْهُ، أَوْ سُرِقَتْ مِنْهُ، ضَمِنَ لِلْمُخَالَفَةِ، لأَِنَّ التَّلَفَ حَصَل بِهَا.
وَلَوْ نَهَاهُ الْمُودِعُ عَنْ نَقْلِهَا مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَنَقَلَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ضَمِنَ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْمَكَانُ الْمَنْقُول إِلَيْهِ أَحْرَزَ مِنْهُ، وَذَلِكَ
[ ٤٣ / ٧٦ ]
لِصَرِيحِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. فَإِنْ كَانَ النَّقْل لِضَرُورَةٍ - كَخَوْفِ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غَلَبَةِ لُصُوصٍ - لَمْ يَضْمَنْ، لِتَعَيُّنِ حِفْظِهَا بِنَقْلِهَا. بَل يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْلُهَا إِلَى حِرْزِ مِثْلِهَا إِنْ وُجِدَ، وَإِلاَّ فَلِدُونِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ سِوَاهُ. فَلَوْ تَرَكَ النَّقْل فِي ذَلِكَ الْحَال ضَمِنَ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ قَصَدَ بِالنَّهْيِ عَنِ النَّقْل الاِحْتِيَاطَ فِي حِفْظِهَا، وَالاِحْتِيَاطُ فِي هَذِهِ الْحَال أَنْ تُنْقَل، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ.
أَمَّا إِذَا قَال لَهُ: لاَ تَنْقُلْهَا وَإِنْ وَقَعَ خَوْفٌ، فَلاَ يَنْقُلُهَا وَإِنْ وَقَعَ الْخَوْفُ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ نَقْلِهَا حِينَئِذٍ، لأَِنَّ نَهْيَهُ عَنْهُ مَعَ خَوْفِ الْهَلاَكِ أَبْرَأَ الْوَدِيعَ مِنَ الضَّمَانِ، إِذِ الضَّمَانُ إِنَّمَا يَجِبُ لِحَقِّ صَاحِبِهَا، فَسَقَطَ بِقَوْلِهِ. وَإِنْ نَقَلَهَا الْوَدِيعُ، لَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا، لأَِنَّ قَصْدَهُ الصِّيَانَةُ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا عَيَّنَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْحِرْزَ، بِأَنْ قَال: احْفَظْهَا بِهَذَا الْبَيْتِ أَوِ الْحَانُوتِ، فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ رُتْبَةً فِي الْحِفْظِ، فَضَاعَتْ، ضَمِنَ لِمُخَالَفَتِهِ، لأَِنَّ الْبُيُوتَ وَالْحَوَانِيتَ تَخْتَلِفُ فِي دَرَجَةِ الْحِفْظِ. وَحَتَّى لَوْ رَدَّهَا إِلَى
_________________
(١) تُحْفَة الْمُحْتَاج ٧ / ١١٦ وَمَا بَعْدَهَا، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٣٧ - ٣٤١ وَالأُْمّ ٤ / ٦١، والقليوبي وَعَمِيرَة ٣ / ١٨٤، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٨٠ وَمَا بَعْدَهَا.
[ ٤٣ / ٧٦ ]
الْحِرْزِ الْمُعَيَّنِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَلِفَتْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ بِوَضْعِهَا فِي الدُّونِ أَوَّلًا، فَلاَ تَعُودُ أَمَانَةً إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
أَمَّا إِذَا أَحْرَزَهَا بِمِثْل الْحِرْزِ الْمُعَيَّنِ أَوْ فَوْقَهُ فِي الْحِفْظِ، وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَلاَ يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ إِنْ تَلِفَتْ. لأَِنَّ تَعْيِينَ الْحِرْزِ يَقْتَضِي الإِْذْنَ فِي مِثْلِهِ، وَفِيمَا هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ بِالأَْوْلَى. فَإِنْ نَهَاهُ رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِحِفْظِهَا، فَأَخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلاَكُ، كَحَرِيقٍ وَنَهْبٍ، فَتَلِفَتْ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِنَقْلِهَا إِنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهِ أَوْ فَوْقَهُ، لأَِنَّ نَقْلَهَا تَعَيَّنَ حِفْظًا لَهَا، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا. فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مِثْل حِرْزِهَا الأَْوَّل أَوْ فَوْقَهُ، فَأَحْرَزَهَا بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الْحِفْظِ، فَتَلِفَتْ بِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، لأَِنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ تَرْكِهَا بِمَكَانِهَا، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ سِوَاهُ. وَإِنْ تَرَكَهَا فِي مَكَانِهَا مَعَ غَشَيَانِ مَا الْغَالِبُ مَعَهُ الْهَلاَكُ فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ، لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا، حَيْثُ إِنَّ حِفْظَهَا فِي نَقْلِهَا، وَتَرْكَهَا تَضْيِيعٌ لَهَا. وَمِثْل ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْرَجَهَا لِغَيْرِ خَوْفٍ مِنْ حِرْزٍ نَهَاهُ مَالِكُهَا عَنْ إِخْرَاجِهَا مِنْهُ فَتَلِفَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ سَوَاءً أَخْرَجَهَا إِلَى مِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ مِنْهُ، لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ صَاحِبِهَا بِلاَ حَاجَةٍ.
[ ٤٣ / ٧٧ ]
فَإِنْ قَال لَهُ مَالِكُهَا: لاَ تُخْرِجْهَا، وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا. فَحَصَل خَوْفٌ وَأَخْرَجَهَا خَوْفًا عَلَيْهَا، أَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا، فَتَلِفَتْ - مَعَ إِخْرَاجِهَا أَوْ تَرْكِهِ - لَمْ يَضْمَنْهَا. لأَِنَّهُ إِنْ تَرَكَهَا، فَهُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ صَاحِبِهَا، فَكَانَ مَأْذُونًا فِي تَرْكِهَا فِي تِلْكَ الْحَال، وَالإِْذْنُ وَالضَّمَانُ لاَ يَجْتَمِعَانِ. وَإِنْ أَخْرَجَهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَحِفْظًا، إِذْ مَقْصُودُهُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِهَا لَهُ، فَلَمْ يَضْمَنْ بِهِ، كَمَا لَوْ قَال لَهُ: أَتْلَفَهَا. فَلَمْ يُتْلِفْهَا حَتَّى تَلِفَتْ. أَمَّا إِذَا أَخْرَجَهَا بِلاَ خَوْفٍ، فَتَلِفَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ (١) .