٣ - قَال الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي فَضِيلَةِ الأَْوْرَادِ وَتَرْتِيبِهَا:
اعْلَمْ أَنَّ النَّاظِرِينَ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ عَلِمُوا أَنَّهُ لاَ نَجَاةَ إِلاَّ فِي لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى اللِّقَاءِ إِلاَّ بِأَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ مُحِبًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَعَارِفًا بِهِ، وَإِنَّ الْمَحَبَّةَ وَالأُْنْسَ لاَ تَحْصُل إِلاَّ مِنْ دَوَامِ ذِكْرِ الْمَحْبُوبِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّ
_________________
(١) قوت القلوب لأبي طالب المكي ١ / ١٧٤ ط دار صادر بيروت.
(٢) المصباح المنير.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ١ / ٣٧٦، والفتوحات الربانية ٣ / ٢٤٩ و١ / ١٥٠.
[ ٤٣ / ٨٩ ]
الْمَعْرِفَةَ بِهِ لاَ تَحْصُل إِلاَّ بِدَوَامِ الْفِكْرِ فِيهِ وَفِي صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَلَنْ يَتَيَسَّرَ دَوَامُ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ إِلاَّ بِوَدَاعِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا وَالاِجْتِزَاءِ مِنْهَا بِقَدْرِ الْبُلْغَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَكُل ذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِاسْتِغْرَاقِ أَوْقَاتِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ فِي وَظَائِفِ الأَْذْكَارِ وَالأَْفْكَارِ (١) بِحَيْثُ يَكُونُ كُل وَقْتٍ مِنْ تِلْكَ الأَْوْقَاتِ مَعْمُورًا إِمَّا بِذِكْرٍ أَوْ بِفِكْرٍ (٢) .
وَوَرَدَ فِي فَضِيلَةِ الذِّكْرِ (٣) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٤)﴾ وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ " قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: " الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ (٥) .
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُرَادُ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ وَغُدُوًّا وَعَشِيًّا وَفِي الْمَضَاجِعِ، وَكُلَّمَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَكُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى.
_________________
(١) إحياء علوم الدين ١ / ٢٩٠ - ٢٩١ ط دار الفكر العربي.
(٢) إتحاف السادة المتقين ٥ / ١٢٢.
(٣) الأذكار للنووي ص ٩ - ١٠ ط دار الكتاب العربي بيروت، وانظر الكلم الطيب ص٤٢ - ٢٥.
(٤) سورة الأحزاب / ٣٥.
(٥) حديث: " سبق المفردون. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٦٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
[ ٤٣ / ٨٩ ]
وَقَال مُجَاهِدٌ: لاَ يَكُونُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ حَتَّى يَذْكُرَ اللَّهَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا.
وَقَال عَطَاءٌ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِحُقُوقِهَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُل مِنَ اللَّيْل وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ (١) .
وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِْيمَانِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَال: لاَ يَزَال لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (٢) .