١١ - الأَْصْل فِي الأَْوْرَادِ فِي حَقِّ كُل صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ الْمُدَاوَمَةُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا تَغْيِيرُ صِفَاتِ الْبَاطِنِ الْمَذْمُومَةِ بِالْمَحْمُودَةِ وَتَهْذِيبُ الظَّاهِرِ بِأَنْوَارِ الشَّرِيعَةِ، وَآحَادُ الأَْعْمَال يَقِل آثَارُهُ، بَل لاَ يُحَسُّ لَهُ بِأَثَرٍ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبُ الآْثَارِ عَلَى الْمَجْمُوعِ، فَإِذَا لَمْ يُعْقِبِ الْعَمَل الْوَاحِدُ أَثَرًا مَحْسُوسًا، وَلَمْ يُرْدِفْ بِثَانٍ وَلاَ ثَالِثٍ عَلَى الْقُرْبِ انْمَحَى أَثَرُ الأَْوَّل سَرِيعًا، فَلَوْ بَالَغَ لَيْلَةً فِي التَّكْرَارِ بِإِعْمَال الْهِمَّةِ وَالشَّوْقِ، وَتَرَكَ شَهْرًا أَوْ أُسْبُوعًا، ثُمَّ عَادَ وَبَالَغَ لَيْلَةً لَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا فِيهِ تَأْثِيرًا نَافِعًا، وَلَوْ وَزَّعَ ذَلِكَ الْقَدْرَ عَلَى اللَّيَالِي الْمُتَوَاصِلَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لأَثَّرَ فِيهِ، وَلِهَذَا السِّرِّ قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل " (٢) لأَِنَّ النَّفْسَ تَأْلَفُ الْعَمَل الْمُدَاوَمَ عَلَيْهِ، فَيَدُومُ بِسَبَبِهَا الإِْقْبَال عَلَى الْحَقِّ، وَلأَِنَّ تَارِكَ الْعَمَل بَعْدَ الْمَشْرُوعِ كَالْمُعْرِضِ بَعْدَ
_________________
(١) الفتوحات الربانية ١ / ١٧.
(٢) حديث: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٢٩٤) ومسلم (١ / ٥٤١) من حديث عائشة، واللفظ لمسلم.
[ ٤٣ / ٩٥ ]
الْوَصْل (١) .
وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُول: أَشَدُّ الأَْعْمَال قِيَامُ اللَّيْل بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَمُدَاوَمَةُ الأَْوْرَادِ مِنْ أَخْلاَقِ الْمُؤْمِنِينَ وَطَرَائِقِ الْعَابِدِينَ، وَهِيَ مَزِيدُ الإِْيمَانِ وَعَلاَمَةُ الإِْيقَانِ (٢)، " وَلَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ عَمَل رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً (٣) .
وَوَرَدَ أَيْضًا مَنْ عَبَدَ اللَّهَ ﷿ عِبَادَةً ثُمَّ تَرَكَهَا مَلاَلَةً مَقَتَهُ اللَّهُ ﷿ (٤)، وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٥)﴾ فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَدُل عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
_________________
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٥ / ١٧٨ ط دار الفكر، وانظر إحياء علوم الدين ١ / ٣٠٨ - ٣٠٩ ط دار الفكر العربي، وشرح عين العلم وزين الحلم ١ / ١١٦.
(٢) قوت القلوب في معاملة المحبوب لأبي طالب المكي ١ / ١٧٩ ط دار صادر بيروت.
(٣) حديث: " لما سئلت عائشة عن عمل رسول الله ﷺ " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٢٩) ومسلم (١ / ٥٤١) .
(٤) حديث: " من عبد الله ﷿ عبادة. . " قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء بهامش الإحياء (١ / ٢٠٥ - ط المعرفة) رواه ابن السني في رياضة المتعبدين موقوفا على عائشة.
(٥) سورة الإنسان / ٢٥ - ٢٦.
[ ٤٣ / ٩٥ ]
مُرَاقَبَةُ الأَْوْقَاتِ وَعِمَارَتُهَا بِالأَْوْرَادِ عَلَى الدَّوَامِ (١) .