٥٠ - الاِتِّجَارُ بِالْوَدِيعَةِ مَكْرُوهٌ فِي قَوْل بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ بِاعْتِبَارِهِ تَجَاوُزًا لِلْحَقِّ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ رَبُّهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنَ النُّقُودِ والْمِثْلِيَّاتِ أَوْ مِنَ الْعَرُوضِ والْقِيمِيَّاتِ. وَرَجَّحَ بَعْضُ فُقَهَائِهِمْ حُرْمَتَهُ فِي الْمَالَيْنِ، وَفَصَّل الْبَعْضُ الآْخَرُ فَقَال بِحُرْمَتِهِ فِي الْعَرُوضِ وَكَرَاهَتِهِ فِي النُّقُودِ. (٢)
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الاِتِّجَارَ بِالْوَدِيعَةِ بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهَا تَعَدٍّ يَسْتَوْجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ الضَّمَانَ (٣)، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ خِلاَفٌ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ النَّاتِجَ عَنِ اتِّجَارِ الْوَدِيعِ، وَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: أَنَّ الرِّبْحَ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، لأَِنَّهُ
_________________
(١) الْمُغْنِي ٩ / ٢٦١ وَمَا بَعْدَهَا، وَانْظُرِ الْمُبْدِعَ ٥ / ٢٣٨.
(٢) كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ ٢ / ٢٥٥، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٢٥٥.
(٣) الإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٧، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣١٢، وَالتَّفْرِيع لاِبْن الْجَلاَّب ٢ / ٢٧١، وَمَيَّارَة عَلَى العاصمية ٢ / ١٨٩.
[ ٤٣ / ٥٢ ]
نَمَاءُ مِلْكِهِ، إِذْ مِنَ الْمَعْرُوفِ فِي الأُْصُول وَالْقَوَاعِدِ أَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ لِلْمَال الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ، فَيَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ لَهُ الْمَال الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ مَوْلاَهُ، وَأَبِي قِلاَبَةَ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (١)
الثَّانِي: أَنَّهُ لِبَيْتِ الْمَال، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (٢)
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ. وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، (٣) وَحُجَّتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّبْحَ الْحَاصِل بِسَبَبٍ خَبِيثٍ، سَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ. وَقَال السَّرَخْسِيُّ: وَلأَِنَّ الْوَدِيعَ عِنْدَ الْبَيْعِ يُخْبِرُ الْمُشْتَرِيَ أَنَّهُ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَحَقَّهُ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ فِي التِّجَارَةِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ،
_________________
(١) مُخْتَصِر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص ٣٧٩، وَالاِخْتِيَارَات الْفِقْهِيَّة مِنْ فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ص ١٤٧، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص ٣٨٠، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٧، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣١٢.
(٢) مَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٣٠ / ١٣٠، وَمُخْتَصَر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة ص ٣٧٩، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٧.
(٣) مَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى ٢ / ٣٤٢، وَالْمَبْسُوط ١١ / ١١٢، وَمُخْتَصَر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة ص ٣٧٩، وَالاِخْتِيَارَات الْفِقْهِيَّة ص ١٤٧، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣١٢، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ٣٨٠، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٧.
[ ٤٣ / ٥٢ ]
بِدَلِيل حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي غُرْزَةَ الْكِنَانِيِّ، قَال: " كُنَّا نَبْتَاعُ الأَْوْسَاقَ بِالْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ، قَال: فَأَتَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِمَّا كُنَّا نُسَمِّي بِهِ أَنْفُسَنَا فَقَال: يَا مَعْشَر التُّجَّارِ، إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ، فَشَوِّبُوهُ بِالصَّدَقَةِ " (١) .
فَعَمِلْنَا بِالْحَدِيثِ فِي إِيجَابِ التَّصَدُّقِ بِالْفَضْل. (٢)
الرَّابِعُ: أَنَّ الرِّبْحَ لِلْوَدِيعِ، إِذْ هُوَ ثَمَرَةُ عَمَلِهِ وَجُهْدِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِضَمَانِهِ، لأَِنَّ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ وَقْتَ الاِتِّجَارِ بِهَا مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْغَاصِبِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَاصِبَ إِذَا اتَّجَرَ بِالْمَال الْمَغْصُوبِ فَرَبِحَ فَهُوَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَهُ الرِّبْحُ فَالْوَدِيعُ أَوْلَى، وَلأَِنَّ الْمُودِعَ لَمْ يَدْفَعِ الْمَال إِلَيْهِ بِغَرَضِ طَلَبِ الْفَضْل وَالرِّبْحِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ لَهُ، فَيَكُونُ لَهُ أَصْل مَالِهِ دُونَ الرِّبْحِ.
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَبِهِ قَال مَالِكٌ
_________________
(١) حَدِيث قَيْس بْن أَبِي غُرْزَة: " كُنَّا نَبْتَاعُ الأَْوْسَاق. . . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (٤ / ٦ - ط الميمنية) وَالْحَاكِم (٢ / ٥ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَاللَّفْظ لأَِحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
(٢) الْمَبْسُوط ١١ / ١١٢.
[ ٤٣ / ٥٣ ]
وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (١)
غَيْرَ أَنَّ الإِْمَامَ أَبَا يُوسُفَ قَيَّدَ اسْتِحْقَاقَهُ الرِّبْحَ بِرَدِّهِ الْوَدِيعَةَ أَوْ أَدَائِهِ الضَّمَانَ لِلْمُودِعِ، فَقَال: إِنَّمَا يَطِيبُ لِلْوَدِيعِ الرِّبْحُ إِذَا أَدَّى الضَّمَانَ أَوْ سَلَّمَ عَيْنَهَا، بِأَنْ بَاعَهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا، وَدَفَعَهَا إِلَى مَالِكِهَا.
وَقَال بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّمَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ إِذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَال كَمَا هُوَ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَرُدَّهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ مِنَ الرِّبْحِ قَلِيلٌ وَلاَ كَثِيرٌ. هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ (٢) .
الْخَامِسُ: أَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ بَيْنَ الْوَدِيعِ وَالْمُودِعِ عَلَى قَدْرِ النَّفْعَيْنِ، بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ أَهْل الْخِبْرَةِ، فَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا كَالْمُضَارَبَةِ، وَهُوَ
_________________
(١) مَجْمَع الأَْنْهُر وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى ٢ / ٣٤٢، وَمَيَّارَة عَلَى العاصمية ٢ / ١٨٩، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ ٢ / ٢٥٥، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ٥ / ٢٥٥، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٣١٢، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ٣٨٠، وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل ٥ / ٢٥٥، وَمَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٣٠ / ١٣٠، وَمُخْتَصَر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة ص ٣٧٩، وَالاِخْتِيَارَات الْفِقْهِيَّة مِنْ فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ص ١٤٧، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر ١ / ٢٥٧.
(٢) مَيَّارَة وَحَاشِيَة الْحَسَن بْن رَحَّال عَلَيْهِ ٢ / ١٨٩، وَمَجْمَع الأَْنْهُر ٢ / ٣٤٢.
[ ٤٣ / ٥٣ ]
رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهُوَ أَصَحُّهَا، وَبِهِ حَكَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁. إِلاَّ أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعُدْوَانِ، مِثْل أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَال نَفْسِهِ، فَيَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ مَال غَيْرِهِ، فَهُنَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بِلاَ رَيْبٍ. (١)