ومن الأدلَّة على طهارته ما يأتي:
ما يرويه علقمة والأسود؛ أنَّ رجلًا نزل بعائشة -﵂- فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: "إِنَّما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإِن لم ترَ؛ نضَحْتَ حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فرْكًا فيصلي فيه" (٢).
وفي رواية: "لقد رأيتُني وإِنِّي لأحكُّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظُفُري" (٣).
ولو كان المنيُّ نجسًا؛ لما صلَّى النّبيُّ - ﷺ - في ثوبه ذلك.
قال أبو عيسى الترمذي -﵀- عن الفرك: "وهو قول غير واحد من
_________________
(١) وقد قال بعض أهل العلم بنجاسته، ولكن المتأمّل في النصوص وفقهها وأقوال أهل العلم يطمئنّ -إِن شاء الله تعالى- لطهارته.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٨، وغيره.
(٣) عن "صحيح مسلم": ٢٩٠
[ ١ / ٤٣ ]
أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مِثل: سفيان، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا في المنِيِّ يصيب الثوب: يجزئه الفَرْك، وإِن لم يُغْسَل".
جاء في "السيل الجرَّار": "وقد ثبت من حديث عائشة -﵂- عند مسلم وغيره أنها كانت تفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - وهو يصلي (١)، ولو كان نجسًا؛ لنزَلَ عليه الوحي بذلك؛ كما نزل عليه الوحي بنجاسة النعال الذي صلَّى فيه" (٢).
وعن عائشة -﵂- قالت: "كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إِذا كان يابسا، ً وأمسحه أو أغسله -شكَّ الحُميدي- إذا كان رطبًا" (٣).
وتردُّد الحميدي بين المسح والغسل لا يضرُّ؛ فإِنَّ كلَّ واحد منهما
_________________
(١) ليس في "صحيح مسلم" كما نبَّه أحد الأخوة، وِإنما هو في: "صحيح ابن خزيمة" (٢٩٠)، وصحّحه شيخنا.
(٢) يشير بذلك اٍلى حديث أبي سعيد -﵀- قال: "بينما رسول الله - ﷺ - يصلّي بأصحابه؛ إِذ خلَع نعليه، فوضعَهما عن يساره، فخَلَعَ الناس نعالَهم، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ قال: ما حمَلكم على إِلقائكم نعالكم؟ ". قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا. قال: "إِنَّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا". أخرجه أبو داود وغيره، وانظر "الإرواء" (٢٨٤)، وتقدّم.
(٣) أخرجه أبو عوانة، والطحاوي، والدارقطني؛ كما في "الإِرواء" (١٨٠)، وقال شيخنا -حفظه الله-: "وإسناده صحيح على شرط الشيخين".
[ ١ / ٤٤ ]
ثابتٌ (١).
وعن عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يسلت (٢) المنيَّ من ثوبه بعِرْق الإِذخِر (٣)، ثم يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلِّي فيه" (٤).
وعن عطاء عن ابن عباس -﵄-: أنَّه قال في المنيِّ يصيب الثوب: "أمِطْه عنك -قال أحدهم- بعودٍ أو إِذخِرة؛ فإِنَّما هو بمنزلة البصاق والمخاط" (٥).
قال ابن حزم في "المحلَّى" المسألة (١٣١): "والمنيُّ طاهر في الماء كان أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إِزالته، والبصاق مثله، لا فرق".
وجاء في "سبل السلام" (١/ ٥٥): "وقالت الشافعيَّة: المنيُّ طاهر، واستدلُوا على طهارته بهذه الأحاديث (٦).
_________________
(١) من قول شيخنا -حفظه الله- في "الإِرواء" (١٨٠).
(٢) أي: يميطه. وفي "المحيط": "أخرجه بيده". والسلت: يأتي بمعنى المسح أيضًا.
(٣) هو حشيش طيب الريح.
(٤) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده حسن؛ كما في "الإِرواء" (١٨٠). ورواه ابن خزيمة في "صحيحه".
(٥) سنده صحيح على شرط الشيخين، وهو منكر مرفوعًا؛ كما في "الضعيفة" (٩٤٨).
(٦) يريد أحاديث الفرك والحتّ ونحوها.
[ ١ / ٤٥ ]
قالوا: وأحاديث غَسله محمولة على النَّدب وليس الغَسْل دليل النجاسة؛ فقد يكون لأجل النظافة وإِزالة الدَّرن ونحوه، قالوا: وتشبيهه بالبُزاق والمخاط دليل على طهارته أيضًا، والأمر بمسحه بخرقة أو إِذخِرة لأجل إِزالة الدَّرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلي، ولوكان نجسًا؛ لما أجزأ مسْحه".
وقد ورد غَسْل المنيّ؛ كما في بعض النصوص:
كما في حديث عائشة -﵂- قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب النّبيّ - ﷺ -، فيخرُجُ إِلى الصلاة، وإِنَّ بُقَعَ الماء في ثوبه" (١).
وعنها -﵂- أيضًا: أنَّ رسول الله - ﷺ -: "كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغَسْل فيه" (٢).
وقال أبو عيسى -﵀-: "وحديث عائشة -﵂- أنَّها غسلت منيًَّا من ثوب رسول الله - ﷺ -؛ ليس بمخالف لحديث الفَرْك؛ لأنَّه وإن كان الفرك يجزئ؛ فقد يستحبُّ للرَّجل أن لا يرى على ثوبه أثره".
وقال ابن حزم في "المحلَّى" (مسألة ١٣١): "وأمّا حديث سليمان بن
يسار (٣)؛ فليس فيه أمْر من رسول الله - ﷺ - بغَسْله، ولا بإِزالته، ولا بأنَّه نجس،
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٢٢٩
(٢) أخرجه مسلم: ٢٨٩
(٣) وقد تقدَّم بلفظ: "كان يغسل المنيَّ ثمَّ يخرج إِلى الصلاة في ذلك الثوب ".
[ ١ / ٤٦ ]
وإِنَّما فيه أنَّه - ﷺ - كان يغسله، وأنَّ عائشة -﵂- كانت تغسله وأفعاله - ﷺ - ليست على الوجوب".
ثمَّ ذكر -﵀- حديث أنس بن مالك -﵀- في حكِّ البزاق باليد من المسجد.
ولفْظه -كما في البخاري (٤٠٥) -: عن أنس: "أنَّ النّبيَّ - ﷺ - رأى نخامة في القِبْلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رُئي في وجهه، فقام، فحكَّه بيده .. ".
قال ابن حزم -﵀-: "فلم يكن هذا دليلًا عند خصومنا على نجاسة النخامة، وقد يغسل المرء ثوبه ممّا ليس نجسًا".
وقال شيخ الإِسلام -﵀- في "الفتاوى" (٢١/ ٦٠٥): "وبالجملة؛ فخروج اللبن من بين الفرث والدم: أشبه شيء بخروج المنيِّ من مخرج البول" (١).
وقال -﵀-: ومن المعلوم أنَّه لم ينقُل أحد أنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر أحدًا من الصحابة بغَسْل المنيّ من بدنه وثوبه، فعُلم يقينًا أنَّ هذا لم يكن واجبًا عليهم، وهذا قاطع لمن تدبَّره" (٢).
وقال الحافظ في "الفتح": " لا معارضة بين حديثي الغَسْل والفَرْك؛
_________________
(١) "الفتاوى" (٢١/ ٦٠٣)، وله بحث نفيس في طهارة المني والردّ على من يقول بنجاسته (ص ٥٨٩ وما بعدها) من مجلد (٢١).
(٢) "الفتاوى" (٢١/ ٦٠٥).
[ ١ / ٤٧ ]
لأنَّ الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيِّ؛ بأن يُحْمل الغَسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب".
قال: "وهذه طريقة الشافعيِّ وأحمد وأصحاب الحديث" (١).