لقد وَرَدَ عن عائشة -﵂- قولُها: "من حدَّثكم أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يبولُ قائمًا، فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعدًا" (٣).
وما بَدَر عن عائشة -﵂- نفيٌ، وقد حدَّثَتْ بما عَلِمَتْ.
وقد ورَدَ الإِثبات من حُذيفة -﵁- وحدَّث بما عَلِمَ، فنُقدِّمه على النفي، وذلك بقوله: "أتى النّبيّ - ﷺ - سُباطَةَ (٤) قومٍ، فبال قائمًا" (٥).
ومن علم حجَّة على من لم يعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، وهو في "الإِرواء" (٥٢)، و"صحيح سنن أبي داود" (٢٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود "صحيح سنن أبي داود" (٣٥) وغيره، وانظر "المشكاة" (٣٦٠).
(٣) أخرجه النسائي "صحيح سنن النسائي" (٢٩) وغيره، وانظر "الصحيحة" (٢٠١).
(٤) المزبلة والكناسة: تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها. "الفتح".
(٥) أخرجه البخاري: ٢٢٦، ومسلم؛ ٢٧٣، وغيرهما.
[ ١ / ٨٧ ]
قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٣٠): "وقد ثَبَتَ عن عُمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهم بالوا قيامًا، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش، والله أعلم، ولم يثبُتْ عن النّبيّ - ﷺ - في النَّهي عنه شيءٌ (١)؛ كما بيَّنتُه في أوائل شرح التِّرمذي، والله أعلم".
أمَّا قولُ عمر -﵁-: "ما بُلْتُ قائمًا منذُ أسلمتُ" (٢)؛ فَيُقابل بقول زيد -﵁-: "رأيتُ عُمر بال قائمًا" (٣).
قال شيخنا- حفظه الله-: "ولعلَّ هذا وقع من عمر -﵁- بعد قوله المتقدِّم، وبعدما تبيَّن له أنَّه لا شيء في البول قائمًا" اهـ.
فخُلاصة القول كما قال الحافظ -﵁-: "جواز البول قائمًا من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش".
_________________
(١) أما حديث: "يا عُمر! لا تَبُل قائمًا"؛ فإِنَّه ضعيف، وقد رواه ابن حبان في "صحيحه". قال شيخنا في "الضعيفة" (٩٣٤): "وهذا سند ظاهره الصحَّة؛ فإِنَّ رجاله ثقات، لكنه معلول بعنعنة ابن جرير؛ فإِنَّه كان مدلِّسًا، وقال أبو عيسى في "سننه" (باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا، تحت الحديث رقم ١٢): وِإنَّما رفعَ هذا الحديث عبد الكريم بن المُخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أيوب السختياني، وتكلَّم فيه".
(٢) أخرجهما ابن أبي شيبة في "المصنَّف"، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من "الضعيفة".
(٣) أخرجهما ابن أبي شيبة في "المصنَّف"، وِإسنادهما صحيح؛ كما ذكر شيخنا في التعليق على حديث (٩٣٤) من "الضعيفة".
[ ١ / ٨٨ ]