وتُزال عند الاستنجاء بالماء أو الحجارة ونحوه:
أمّا الماء:
فلقوله تعالى: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٣).
_________________
(١) "المحلَّى" (مسألة ١٢٠).
(٢) هناك تفصيلات طيبة (ص ٤٦ وما بعدها)، فارجع إِليها -إِن شئت-.
(٣) التوبة: ١٠٨
[ ١ / ٦١ ]
وقد نزلت هذه الآية في أهل قِباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء؛ كما في حديث أبي هريرة -﵁- عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "نزلت هذه الآية في أهل قِباء: ﴿فيهِ رِجالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ". قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية" (١).
وعن أنس بن مالك -﵁- قال: "كان النّبيُّ - ﷺ - إِذا خرج لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٢) من ماء؛ يعني: يستنجي به" (٣).
وأمّا الحجارة:
فلقوله - ﷺ -: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" (٤).
وعن عائشة -﵂-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إِذا ذهب أحدُكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه" (٥).
وأمّا ما يسدُّ عن الحجارة؛ كالورق ونحوه؛ فإِنَّه مستنبَط من عدَّة نصوص؛ منها:
ما يرويه أبو هريرة -﵁- قال: اتَّبعتُ النّبيّ - ﷺ - وخرج
_________________
(١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وهو في "صحيح سنن أبي داود" (٣٤)، وصححه شيخنا في "الإِرواء" (٤٥).
(٢) إناء صغير من جلد؛ كما تقدَّم.
(٣) أخرجه البخاري: ١٥٠، وتقدَّم.
(٤) أخرجه مسلم: ٢٦٢
(٥) أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في "الإرواء" (٤٤).
[ ١ / ٦٢ ]
لحاجته. فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: "ابغني أحجارًا أستنفض بها - أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث" (١).
فنهيُ النّبيّ - ﷺ - عن العظم والرَّوث دالٌّ على جواز ما سواهما ممّا تزال به النجاسة، ولو لم يَجُزْ هذا؛ لقال له - ﷺ -: "ابغني أحجارًا أستنفض بها" وسكت، أو قال: ولا تأتني بغيرها؛ بيدَ أنَّه - ﷺ - قال: "ولا تأتني بعظم ولا روث".
ومن المعلوم أنَّ النجاسات محصورة؛ بخلاف الأعيان الطاهرة؛ فإِنَّها غير ْمحصورة، فحصْر النهي عن العظم والروث يدلُّ على جواز استعمال غيرهما.
وقد علَّل النّبيّ - ﷺ - سبب هذا النهي، فقال: "لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ" (٢).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -﵀-: " وهذا كما أنَّه لمَّا أمر بالاستنجاء بالأحجار؛ لم يختصَّ الحجر؛ إِلا لأنَّه كان الموجود غالبًا، لا لأنَّ الاستجمار بغيره لا يجوز، بل الصواب قول الجمهور في جواز الاستجمار بغيره؛ كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لنهيه عن الاستجمار بالروث
_________________
(١) أخرجه البخاري: ١٥٥ قال الحافظ في "الفتح -بحذف يسير-: "ابغِني؛ بالوصل من الثلاثي؛ أي: اطلب لي، وفي رواية بالقطع؛ أي: أعنِّي على الطَّلب، يُقال: أبغيتك الشيء؛ أي: أعَنْتُك على طلبه، والوصل أليق بالسياق". ومعنى أستنفض: "أستخرج بها وأستنجي، والنفض: هزّ الشيء ليطير غباره".
(٢) أخرجه الترمذي وغيره، وروى مسلم نحوه، وانظر "الإِرواء" (٤٦).
[ ١ / ٦٣ ]
والرِّمَّةَ (١) وقال: "إِنهما طعام إِخوانكم من الجنِّ" فلمّا نهى عن هذين تعليلًا بهذه العلَّة؛ عُلم أنَّ الحكم ليس مختصًا بالحجر، وإلاَّ لم يحتج إِلى ذلك" (٢). وذكر نحوه الحافظ -﵀- في "الفتح" (١/ ٢٥٦).
وقال الشوكاني -﵀- في "الدراري المضية": "وإِذا لم توجد الأحجار؛ فغيرها يقوم مقامها للضرورة؛ ما لم يكن ذلك الغير ممَّا ورد النهي عنه؛ كالروثة والرجيع (٣) والعظم " (٤).
وتُطهّر العَذِرة من النِّعال بالتُّراب:
لقوله - ﷺ -: "إِذا وطئ أحدُكم بنعليه أذى؛ فإِنَّ التراب له طَهور" (٥).
وفي رواية: "إِذا وطئ الأذى بخُفَّيه؛ فطَهورهما التراب" (٦).